مسيحيّو بعلبك: أسماء حارات فقدت سكّانها - عيسى يحي

كتب عيسى يحي في "الجمهورية":

في مدينة بعلبك حيث طبَعت العائلية والطائفية أسماءها على الحارات والأحياء، لا يزال «حي المسيحية» أحد أهم الأماكن منذ القرن التاسع عشر، محاطاً بكنائس المدينة الثلاث: القديستان بربارة وتقلا، مار جاورجيوس للروم الأرثوذكس، و»السيدة» للموارنة، ومتميزاً بواجهات منازله التقليدية ذات القناطر الثلاث والطراز القديم، ليبقى مقصداً للسيّاح وأبناء المدينة، الذين استمدوا منه الرقيّ والهدوء.

عام 1935 كان المسيحيون يشكّلون ثلث سكان مدينة الشمس، فانتشر ثمانية آلاف شخص في المدينة وبنوا كنيسة «السيدة» إضافة إلى كنيسة القديستين بربارة وتقلا، والمطرانية الموجودتين منذ العام 1897.

ولكنّ هذا العدد سرعان ما بدأ يتراجع مع بدء الحرب الأهلية عام 1975 حيث شهدت بعلبك نزوحاً من لون طائفي واحد من الأرياف في إتجاهها، ما خلق خوفاً لدى المسيحيين فيها، دفعهم إلى مغادرتها نحو زحلة وبيروت، فضلاً عن مضايقات أمنية وطائفية تعرَّض لها بعضهم، فهُجرّوا قسراً.

250
 شخصاً من أصل ثمانية آلاف إختاروا البقاء في بعلبك وعلى رأسهم مطران بعلبك - الهرمل للروم الملكيين إلياس رحال الذي يروي لـ«الجمهورية» أن «أكثرية مَن هاجروا وتهجّروا من بعلبك إبان الحرب الأهلية، باعوا منازلهم وأراضيهم ما ينذر بأنهم غير عائدين».

يقف رحال وسط باحة المطرانية ليدل الى الأراضي والمنازل التي بيعت، ويقول والحسرة بادية على وجهه، إنّ «أكثر من 80 في المئة من أراضي بعلبك، كانت ملكاً للمسيحيين ولم يبقَ منها سوى القليل تؤجّره المطرانية الى مسلمين مقابل بدلٍ سنوي يعود ريعه للمطرانية».

وسرعان ما تنفرج أسارير المطران رحال عند سؤاله عن العلاقة مع المسلمين وإمكان بقائه وسط هذا التمدد، فيجيب: «علاقاتٌ مميزة تربط المسيحيين مع الجميع، سنّة وشيعة، فلا تخلو المناسبات والأعياد من الزيارات والمعايدات المتبادلة»، مؤكداً «أننا سنبقى في بعلبك على رغم كل الظروف وقلّة العدد، فنحن اليوم نمثل صمّام أمان المدينة، ونعيش مع الجميع بإنفتاح وتعاون». وإذ يأمل أن «تتحسَّن الأوضاع لإعادة المسيحيين إلى المدينة»، يجزم بأنه «باقٍ مع هذا العدد القليل ولن أتركهم لأنتقل إلى مكان آخر فيه عدد أكبر من المسيحيين كالقاع ورأس بعلبك».

أما الأب إلياس غاريوس الذي لا يكلّ ولا يهدأ أبداً، فقد أعاد إلى الوجود المسيحي في بعلبك رونقه ونشاطه، فهو لا يترك مناسبة دينية إلّا ويقيم الصلوات والقداديس، وتُسمع أصوات الأجراس والعظات تصدح كل يوم أحد، لتحاكي أعمدة قلعة بعلبك بجانب الكنيسة، بعدما كانت ممنوعة في فترة سابقة.

ولا ينفك الأب غاريوس يحضّر لعيد الميلاد كل سنة وصنع مغارة مميزة، يقصدها المسيحيون والمسلمون. لكنّ النزعة الطائفية والمذهبية سرعان ما تحضر عندما يسمع أحدهم أنّ الأب غاريوس عمَّد مسلمين، وهو ما عرّضه أكثر من مرة للإعتداء، وقد وصل الأمر الى حدّ خطفه بعدما عمَّد إبنة أحد مشايخ بلدة بقاعية قبل أن يتدخل «حزب الله» ويُفرج عنه بعد تعرضه للضرب. ولكن منذ ذاك الحين، عادت الأمور شبه طبيعية وعاد الأب غاريوس يمارس مهماته بعيداً من الضغوط والمناكفات.

على المستوى الإقتصادي، يقتصر الحضور المسيحي في بعلبك على 4 محالٍ تجارية فقط في سوق بعلبك التجارية، واحد منها للمختار جورج عوض الذي يقول لـ»الجمهورية» إن أكثرية المسيحيين الذين غادروا المدينة إبان الحرب لا يزالون مسجلين في دائرة نفوس بعلبك، وهو يجري المعاملات اللازمة لهم متى إحتاجوها».

أما على الصعيد السياسي، فقد مارس المسيحيون ما يشبه الإستقالة من الحياة العامة، فقلة منهم تأتي للتصويت في الإنتخابات النيابية والبلدية، إذ لديهم فقط ممثل واحد في مجلسها ومختاران إثنان في المدينة حيث باتوا يشكلون خمسة في المئة من سكانها.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أنّ شخصية مسيحية كانت تتولّى مركز قائمقام بعلبك، فانتقل إلى شخصية سنّية إبان الحرب الأهلية، ثم تسلَّمته شخصية شيعية بالتكليف العام الماضي (قيصر الديراني). أما مركزا قائد الدرك في بعلبك ومدير البريد، فكانت تتولاهما شخصيات مسيحية، يوم كان يغلب الطابع المسيحي على بعلبك.

لكنّ الحضور التربوي والعلمي للمسيحيين لا يزال الأقوى، في ظلّ استمرار عمل «المدرسة الوطنية المارونية»، ومدرسة «القلبين الأقدسين» اللتين لا تزالان تمارسان رسالتهما في التربية والتعليم بانفتاح كبير.

وفيما ارتبطت صورة المدينة بأسماء شعراء عظام كـ»شاعر القُطرين» خليل مطران، يشهد اليوم على عراقة المسيحيين فيها، إرتباط أسمائهم بأمكنة أثرية، مثل فنادق: «بالميرا»، «الخوام» و»عربيد»، التي لم يبقَ منها سوى فندق «بالميرا» الذي باعه مالكوه من آل ألوف، فضلاً عن سينما «الروكسي» و»أمبير» اللتين تحوّلتا محالاً تجارية. وعلى رغم كل ذلك، يبقى المسيحيون في بعلبك جزءاً لا يتجزأ من حضارتها وثقافتها وتاريخها الذي فقد شيئاً من روحه مع انخفاض عددهم
.


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended