صوتنا- أنطوان بوعبود حرب: أسطورة الانتشار اللبناني تهددها الفوضى

جبلنا ماغازين - صوتنا

(المقالات والآراء الواردة في زواية "صوتنا" لا تعبر عن موقف موقع "جبلنا ماغازين"، بل تعبر عن رأي كتابها وما يمثلون)

كتب الأستاذ أنطوان بوعبود حرب (من فرنسا) ما يلي:

"يسرني دائماً أن أتحدث باعتزاز وشموخ عن أسطورة الانتشار اللبناني وما حققه المغتربون على مرّ تاريخهم من إنجازات ومآثر وما تبوأوا من مراكز عالمية هي اليوم فخر للبنان وللعرب أجمعين.

لقد حقق المغتربون ما حققوه بجهدهم وعصاميتهم ومثابرتهم، رغم ان دولتهم الأم لم توفر لهم أبسط قواعد الدعم أو العرفان بالجميل، لا عبر حكوماتها السابقة ولا حتى عبر التواصل الثقافي أو الروحي معهم، إلى أن شاء القدر وظهر شاب أصيل من بلاد البترون، أرض البطل ادمون الزعني والبطريرك حويك، خيرالله خيرالله وأميل الخوري حرب صاحب تراث لبنان العظيم، فتسلم هذا الشاب مقاليد وزارة الخارجية وراح ينظم مؤتمرات للطاقات الاغترابية، فقلب الأمور رأساً على عقب، بحيث أكد بجرأته وقوة عزيمته أن للبنان انتشاراً واسعاً و كثيفاً أعطى لبنان موقعاً شامخاً أمام العالم وحضوراً مميزاً في حقول العلم والصناعة والتجارة والسياسة، فأصبح معها هذا الوطن الصغير أكثر من دولة روتينية، ليتحول إلى "ضرورة عالمية" يجب المحافظة عليها وشعاع ثقافة لا يتلاشى وخميرة خيِّرة لبناء سلام أممي بين الحضارات.

عليه، فإن أحسنت الدولة اللبنانية التعامل مع مغتربيها، ستتحقق للبنان مكانته العالمية وستنبت في بلاد الأرز جذور عميقة لأنشودة الحياة الهادئة بين الديانات تمتد جذورها إلى الانتشار فتغذيه وتكبر معه في المحافل الدولية. فالمنتشرون هم جزء من أصل قائم منذ بداية الازمنة على ضفاف المتوسط، وبفضل هذا الأصل أصبحت للمغتربين قدرات هائلة تهز الجبال وتطال النجوم، إذ أن كثيرين منهم أصبحوا اليوم أعمدة صلبة وبارزة في مجتمعاتهم حول العالم.

لنا في كل رجل وفي كل امرأة بدنيا الاغتراب أسطورة عزّ وحكاية كرامة وأخبار ثروات تضج بحب الحياة والمغامرة وتحدي الصعوبات من أجل تحسين واقع الحال.

نعم. هذه الطاقات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية تفوق بعظمتها ما لليونان من تاريخ وما لروما من أمجاد، اللهمّ إذا عرقت دولتنا كيف تحتضنها وتؤازرها. وهي طاقات تضاهي حضور إسرائيل في مصانع القرارات الدولية وفي تأثيرها على مجريات الأحداث في هذا العالم. ألم يقل مناحيم بيغن بعد حرب الأيام الستة إنه يخاف الانتشار أللبناني اكثر من جميع الجيوش العربية متحدة؟

اليوم، ومن على هذا المنبر، و من خلال هذه السطور البسيطة، أهيب بالسلطات اللبنانية عدم التلكؤ في اتخاذ المواقف الوطنية الجريئة والقرارات الشجاعة الثابتة التي تحقق الانفتاح وتعزز التواصل بين لبنان المقيم ولبنان المغترب دون خوف ولا قلق من الطائفية - إذ أننا كمغتربين تخطينا هذه الآفة منذ زمن بعيد - فتكون الدولة بذلك تعمل لولادة جنين اللوبي اللبناني العالمي والذي بدأت طلائعه ترتسم مع مؤتمرات الطاقات الاغترابية .

أطلقها اليوم صرخة من أقاصي الدنيا الى بيروت... صرخة صادقة من قلب مغترب، علّ حكومتنا تسمع وتتحرك، وإلا فنحن باكون لا محالة على أمبراطورية اندثرت تحت أنظارنا، وسننوح على أطلال لبنان الرسالة وبلد الإشعاع .

إن الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم كانت حتى أمد قريب تحمل عبء هذه الرسالة في حنايا وجدانها، ولكنها أصبحت اليوم - و للأسف - مجموعة هياكل مندثرة في مطابخ السياسة الداخلية والحزبيات الضيقة. فقد ضَل المسؤولون طريقهم وباتوا يصرفون أيامهم بالهرولة نحو وحدة مزعومة مبنية على "الأنا" وليس على مقررات جماعية مدروسة على أساس أهداف الجامعة الوطنية وتحصين استقلالها ورص صفوفها الداخلية . فالفوضى والتشرذم والانقسامات المنتقلة من مؤتمر الى آخر باتت تنذر بأوخم العواقب وبئس المصير.

الدولة اللبنانية مدعوة اليوم الى صحوة ضمير، فترفع يدها في وجه الإجحاف الحاصل بحق هذه المؤسسة ذات الجذور اللبنانية الأصيلة من خلال المادة 12 الجائرة ضمن قانون دائرة المغتربين، فتطعن بها وتلغيها، وتقتلع بذلك فيروس الانقسام والشلل والفوضى. عندها، تصبح الجامعة الثقافية بكل ما فيها قابلة للحياة".

*أنطوان بو عبود حرب (50 سنة في صفوف الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم)


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended