لبنان... الزيارة التجربة

كتب محمد العزير في "المدن":

أحتار كلما زرت لبنان. يحيرني سؤال في إستمارة الدخول الرسمية عن تصنيف الزيارة. الخيارات المعتمدة في إستمارة الأمن العام لا تلائم أسبابي. هي ليست سياحة، لا سائح بكامل قواه العقلية يختار بلداً يقبع منذ الأزل على فوهة بركان ليمضي أياماً من الترفيه. وهي ليست سياحة طبية لقادم من أميركا. وهي ليست زيارة عمل، كما انها ليست زيارة عائلية، فالأهل بعض من الأسباب وليسوا كلها. ولو قُدر لي أن أسأل عن رأي في الإستمارة لأضفت كلمة واحدة: تجربة.

زيارة لبنان، رغم تكرارها، أشبه برحلة في الزمن الى برج بابل الذي أثار أهله حفيظة الخالق بمحاولتهم الوصول اليه صعوداً، فبلبل ألسنتهم حتى لا يتفقوا بعد ذلك، على ما تقول رواية التوحيد الدينية.

لبنان جبل من كلام، كلام عن كل شيء، كلام في كل شيء، وكلام لكل شيء. كلام غب الطلب، لا وقت لأحد للإستماع، ولا متسع للأسئلة. الكل يعرف كل شيء. من الفلك والكواكب الى الطب والأزياء، من البورصة واسعار العملات الى الفحم والنفط، ومن سباقات "الفورمولا وان" الى خراطة محركات السيارات الفديمة.

لا داع لحديث المونديال في موسمه فهو الحديث. الكل يعرف المنتخبات والمدربين ومشاكل اللاعبين، وكماً من المؤامرات والتسويات كافٍ لتبرير كل الخسارات وتفسير النتائج. وبين هذه وتلك متسع لويمبلدون وكرة السلة الأميركية وشيء من ألعاب القوى.

والكلام في لبنان ليس للهواة فقط. للمحترفين دور الخميرة في هذا المعجن الهائل، إذاعات وتلفزيونات ومواقع وإنترنت، هواتف ثابتة وجوّالة، عادية وذكية، كلام مطبوع وكلام مهدور وكلام مشفّر، وما لا تحمله الأوراق وموجات الأثير تئن به المنابر، بث مباشر، كلام مباشر، سياسيون، فنانون، إكليروس، شيوخ، نقابيون، رياضيون، مثقفون، مستثمرون، مغتربون، وخبراء. خبراء في كل ما تقدم. في هذا اللغط المستطير لا وقت للإستماع. معلومات تهرق كالطوفان ولا أحد يعلم كم تستغرق رحلة محلية بين صريا والمرفأ. كلام يملأ كل فضاء ولا أحد يعرف متى أو لماذا تأتي الكهرباء. لا أحد يعرف أين ينتهي الدوام في دائرة رسمية، أو  من التالي في قطع طريق للخطف أو الإحتجاج. لا أحد يعرف شيئاً مهماً.

لكن تحت هذا الجبل الثرثار أشياء لا تخطئها العين. في بلد أثخنته السياسة شؤماً ترى في الأعراس فرحاً. شباب يحب الدبكة ويتقنها. فتيان وفتيات يتغامزون ويتواعدون وكأنهم هم خارج الزمن السائد. كوة أمل تتشبث بالحياة كزهرة تنبت وسط الإسمنت، وهي تنبت. تحت هذا الجبل الهائج شباب يعيد تعريف القيم المرجوة. مسيرة لزواج مدني، تضامن مع إمرأة معنفة. ملصق لمسرح غير مدعوم. نداء لحماية البحر من رواده، ودعوة مفتوحة للإحتفاء بإنسانية البشر. تأخذك تلك اللحظات الى مكان آخر تتمنى لو أنه يتمدد، وتضرب معه موعداً لزيارة جديدة... أو لتجربة جديدة.

* محمد العزير
  (صحافي مقيم في الولايات المتحدة)


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended