لبنان بين عجز الدولة والتواطؤ الدولي. ~بقلم: بيار مارون
جبلنا ماغازين – نيويورك
(ردًّا على مقال دايفيد شينكر "بعد مرور عام، لبنان لا يزال عاجزاً عن مواجهة حزب الل"ه الذي نشر في جريدة الشرق الأوسط في 27 تشرين الثاني 2025)
يُوثّق تقييم ديفيد شينكر الأخير حول صراع لبنان الممتد لعام كامل من أجل فرض سلطته بعد وقف إطلاق النار عام 2024 بشكل دقيق عجز الدولة اللبنانية عن مواجهة حزب الله. وفي هذه النقطة، فإن نقده لا يُمكن الطعن فيه. فبرنامج البطاقات الصحية المقترح لمقاتلي حزب الله الجرحى، وتجنّب الجيش اللبناني الدخول إلى “الممتلكات الخاصة” الخاضعة لسيطرة الحزب، وتعطيل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت واغتيال لقمان سليم، جميعها تعكس حكومة تخشى الميليشيا أكثر مما تخدم مواطنيها.
لكن ما يُقصّر فيه تحليل شينكر هو تصوير شلل لبنان كأنه مرض داخلي حصراً، أي نسخة لبنانية من “متلازمة ستوكهولم”. هذا التفسير يلتقط الأعراض لكنه لا يشرح النظام الذي يُبقيها. فشل السلطة اللبنانية لا يعود فقط إلى الضعف الداخلي، بل أيضًا إلى بيئة أوسع يختار فيها الفاعلون الدوليون الأقوياء الصمت الاستراتيجي على حساب الحقيقة. والنتيجة هي شلل في الداخل يعززه الخارج.
الإخفاقات الداخلية حقيقية ولكنها نصف القصة فقط
الإخفاقات الداخلية في لبنان لا جدال فيها. فقد أُقصِيَ القضاة الذين قادوا تحقيق انفجار المرفأ عام 2020 بمجرد أن وصلت تحقيقاتهم إلى مسؤولين كبار في الدولة، محمييم طائفياً وسياسياً. فالمناورات القانونية، والدعاوى المضادة، وتعطيل محكمة التمييز شكّلت جدارًا طائفيًا ضد مبدأ المحاسبة.
توازياً، فإن تردّد الجيش اللبناني في مواجهة حزب الله ليس اصطفافًا أيديولوجيًا، بل حفاظًا على البقاء المؤسسي. فأية محاولة أحادية لنزع سلاح الحزب تُهدّد بتفكيك الجيش على أسس طائفية وقد تُشعل حرباً أهلية جديدة. ومن دون ضمانات دولية موثوقة (لم تُقدَّم لأي حكومة لبنانية)، لا يستطيع الجيش أن يُغامر بمصيره.
هذه الديناميات الداخلية تُفسّر شلل لبنان، لكنها تُشكّل جانبًا واحدًا فقط من المعادلة!
انفجار مرفأ بيروت والتواطؤ الدولي
ما أغفله شينكر (وما هو أساسي لفهم صانعي القرار الأميركيين) هو البُعد الدولي لشلل لبنان. فالقوى الأجنبية تنتقد إخفاقات السلطة اللبنانية باستمرار، لكنها تحجب المعلومات والأدوات اللازمة لكسر الحلقة.
1- التعتيم الاستخباراتي حول انفجار مرفأ بيروت
قدّم لبنان طلبًا رسميًا للحصول على صور أقمار صناعية عالية الدقة وبيانات رادارية من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وروسيا وغيرها لتوضيح ما حدث في 4 آب 2020. وبحسب تقارير صحفية، أبلغت فرنسا السلطات اللبنانية أنها لا تمتلك صورًا صالحة من الفترة الحرجة. موقف إيطاليا ما زال غامضًا. أما الولايات المتحدة فلم تؤكد أو تنفِ علنًا امتلاكها لمعلومات ذات صلة.
هذا الفراغ الاستخباراتي أبقى على رواية “الإهمال فقط”، التي تتجنب تحميل أي طرف إقليمي رئيسي المسؤولية - سواء حزب الله أو إسرائيل أو إيران. ولهذا السبب تحديدًا، ما زالت "هيومن رايتس ووتش"، و"منظمة العفو الدولية"، وعشرات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تطالب بتحقيق دولي مستقل بعد مرور خمس سنوات على الانفجار.
قد تكون القوى الكبرى اختارت الصمت ليس بدافع اللامبالاة، بل لأن كشف الصورة الكاملة قد يُورّط أطرافًا لا ترغب بمواجهتها مباشر، مما يُهدّد الاستقرار الإقليمي والمصالح الأميركية والترتيبات الأمنية الجارية.
2- المسار المالي المحمي لشحنة نيترات الأمونيوم
تم شراء 2,750 طنًا من نيترات الأمونيوم المخزّنة في العنبر 12 من قبل شركة “سافارو ليمتد” المسجّلة في المملكة المتحدة، والمرتبطة - من خلال عناوين مشتركة وتقارير استقصائية - بأشخاص فُرضت عليهم لاحقًا عقوبات لتزويدهم النظام السوري بمواد كيميائية. ورغم هذه الأدلة، سمحت السلطات البريطانية لشركة "سافارو" بأن تُشطب من السجل التجاري عام 2021 من دون تحقيق شامل في هوية المالكين الفعليين.
وصحيح أن دولاً غربية فرضت عقوبات على أفراد محددين لكنها لم تفكّك الشبكة التجارية الأوسع، تاركة المحاسبة للقضاء اللبناني المشلول. وبهذا، بقيت المسؤولية محصورة محليًا بدلًا من أن تمتد إلى الوسطاء والجهات الدولية التي سهّلت الشحنة.
خفّضوا التوقعات لكن افهموا السبب!
دايفد شينكر محق في القول إن التوقعات من الدولة اللبنانية يجب أن تكون متواضعة. لكن الأسباب أوسع من تلك التي أشار إليها في مقاله. فلبنان عالق بين منظومة أوليغارشية - ميليشيوية داخلية تخنق العدالة، و نظام دولي يُفضّل الاستقرار الجيوسياسي والسرية الاستخباراتية والغموض التجاري على المحاسبة.
لقد أثرتُ شخصياً مسألة التواطؤ الدولي مع أعضاء في الكونغرس وإدارة بايدن، وكذلك مع شخصيات أوروبية مثل السيناتور الفرنسي أوليفييه كاديك، دون أن ألقى آذاناً صاغية. أما السيد شينكر، وهو دبلوماسي أميركي مرموق، فلا يزال من غير الواضح لماذا اختار تجاهل البُعد الدولي في تحليله.
في جميع الأحوال، لن يتمكّن لبنان من الخروج من شلله إلا عندما يُفرج شركاؤه عن المعلومات الاستخباراتية التي بحوزتهم، ويُطبّقون الشفافية التي يتغنّون بها، ويوفّرون الغطاء السياسي الذي يحتاجه الجيش اللبناني للتحرك. إن بلد الأرز لا يستطيع أن يقف وحيدًا عندما تتشكَّل العاصفة... ليس فقط من إخفاقات لبنان، بل أيضًا من التخاذل الدولي من حوله.
*كاتب المقال: بيار أ. مارون
رئيس دروع لبنان الموحّد (SOUL)
محلّل استراتيجي