طارق منصور.. اللبناني الذي جعل اسم Kalshi على كل شفة ولسان في الانتخابات النصفية الأميركية!
خاص حبلنا ماغازين – وجوه من عنا
نيويورك
لم يكن اسم «Kalshi» وحده الذي خطف الأضواء في الانتخابات النصفية الأميركية، بل كان وراء هذه المنصة التي شغلت الأوساط السياسية والإعلامية رجل أعمال لبناني الأصل والنشأة يُدعى طارق منصور، أحد مؤسسي هذه الشركة ورئيسها التنفيذي. ففي انتخابات 3 تشرين الثاني 2026، بات اسم «Kalshi» على كل شفة ولسان، بعدما تحولت منصتها إلى إحدى أبرز الوجهات التي تابع من خلالها الأميركيون احتمالات نتائج السباقات الانتخابية. وبينما كانت الأسواق السياسية تتفاعل مع نتائج الاقتراع، كان منصور، البالغ من العمر 30 عاماً، يحصد ثمار مشروع أسسه قبل سنوات، لتصل قيمة شركته إلى نحو 22 مليار دولار، وتُقدّر ثروته الشخصية بنحو 2.6 مليار دولار.
من لبنان انطلقت الحكاية، وإن كانت الولادة في الولايات المتحدة. فطارق منصور، أحد مؤسسي شركة «Kalshi» ورئيسها التنفيذي، وُلد في ولاية كاليفورنيا الأميركية عام 1996، لكنه انتقل مع عائلته إلى لبنان وهو في الخامسة من عمره تقريباً، حيث أمضى سنوات طفولته وتلقى تعليمه في مدرسة «Collège Louise Wegmann» في بيروت من عام 2001 إلى 2014، قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته الجامعية في (MIT) معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وإذ لم يتمكن "جبلنا ماغازين" من الحصول على تفاصيل دقيقة عن الأصول اللبنانية لطارق منصور ووالديه، فإنه وجد - من خلال البحث والاطلاع على مقابلات صحافية سابقة له - أن نشأته في لبنان لم تكن مجرد محطة عابرة في حياته، بل هي تركت بصمتها على شخصيته وطريقة تفكيره. فهو في مقابلات صحافية عن تأثير الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة التي عاشها خلال طفولته، مشيراً إلى أنه وجد في الرياضيات عالماً يقوم على المنطق والدقة والوضوح، في مقابل حالة عدم اليقين التي كانت تحيط به في الواقع اللبناني.
وفي مقابلة مطوّلة مع مجلة «Wired» الأميركية في آذار الماضي، تحدث منصور عن طفولته في لبنان، معتبراً أن عدم اليقين كان من أبرز سمات البيئة التي نشأ فيها، وأن الرياضيات وفّرت له مساحة من الوضوح والاستقرار. كما ربط بين هذه التجربة واهتمامه اللاحق بأسواق التوقعات، التي تقوم أساساً على تقدير احتمالات وقوع أحداث مستقبلية.
من بيروت إلى MIT وعالم المال
بعد عودته إلى الولايات المتحدة، التحق منصور بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، حيث درس علوم الكمبيوتر والرياضيات، وحصل على شهادتي بكالوريوس في المجالين، إضافة إلى ماجستير في الهندسة عام 2018.
وخلال دراسته في المعهد، التقى زميلة الدراسة، البرازيلية لوانا لوبيز لارا، التي أصبحت في ما بعد شريكته في تأسيس Kalshi.
بدأ منصور مسيرته المهنية في عالم المال من خلال العمل في مؤسسات مالية بارزة، بينها «Goldman Sachs» و«Citadel»، حيث اكتسب خبرة في التداول الكمي وتحليل الأسواق المالية. وكانت تجربته المهنية خلال عام 2016، ولا سيما متابعته تداعيات الاستفتاء البريطاني حول الخروج من الاتحاد الأوروبي (Brexit) والانتخابات الرئاسية الأميركية، من العوامل التي دفعته إلى التفكير في إمكانية إنشاء سوق مالية تتيح التداول المباشر على نتائج الأحداث المستقبلية.
وفي عام 2018، أسس منصور وزميلته لارا شركة Kalshi، وهي منصة مالية تتيح للمستخدمين التداول على نتائج أحداث مستقبلية، من الانتخابات السياسية والقرارات الاقتصادية إلى أسعار الفائدة والظواهر الجوية والفعاليات الرياضية. وتقوم الفكرة على إنشاء عقود مالية ترتبط بحدوث واقعة معينة أو عدم حدوثها، بحيث تتغير أسعارها وفقاً لتقديرات المشاركين في السوق. فإذا بلغ سعر عقد معين 70 سنتاً، فهذا يعكس تقديراً من السوق بنسبة تقارب 70% لاحتمال وقوع الحدث.
وسرعان ما تحولت الشركة إلى واحدة من أبرز الشركات العاملة في هذا القطاع، واستقطبت استثمارات من مؤسسات مالية وشركات رأس مال استثماري كبرى.
وفي كانون الأول 2025، جمعت «Kalshi» مليار دولار في جولة تمويل رفعت قيمتها السوقية إلى نحو 11 مليار دولار. ثم أعلنت في 7 أيار 2026 جمع مليار دولار إضافي في جولة تمويل جديدة، بقيادة شركة «Coatue»، وبمشاركة مستثمرين من بينهم «Sequoia Capital» و«Andreessen Horowitz» و«Morgan Stanley»، ما رفع تقييم الشركة إلى نحو 22 مليار دولار.
ثروة تناهز 2.6 مليار دولار
لم يقتصر نجاح منصور على تأسيس شركة ناجحة، بل انعكس بصورة مباشرة على ثروته الشخصية. فبحسب مجلة «Forbes»، بلغت ثروته التقديرية نحو 2.6 مليار دولار في 4 تشرين الثاني 2026 (أي في اليوم التالي للانتخابات النصفية الأميركية)، ما وضعه ضمن قائمة أصحاب المليارات في العالم، وجعله من أصغر رواد الأعمال الذين بنوا ثرواتهم في قطاع التكنولوجيا المالية.
وكان برز اسم منصور وشركته بصورة خاصة خلال الانتخابات الأميركية عام 2024، عندما أصبحت «Kalshi» إحدى المنصات الرئيسية التي تابع من خلالها الأميركيون احتمالات نتائج السباقات الانتخابية.
وفي الانتخابات النصفية التي جرت قبل أيام في الولايات المتحدة، وسّعت الشركة نشاطها ليشمل سباقات مجلسيْ الشيوخ والنواب وانتخابات حكام الولايات، ما جعلها محط اهتمام وسائل الإعلام والمحللين والمتابعين للشأن السياسي. ووفق الأرقام التي أوردتها وسائل إعلام متخصصة في 4 تشرين الثاني، تجاوز حجم التداول المرتبط بالانتخابات النصفية على منصة «Kalshi» 2.5 مليار دولار.
وأصبحت مؤشرات المنصة مادة تستعين بها وسائل الإعلام والمحللون لمتابعة اتجاهات الناخبين واحتمالات الفوز، إلى جانب نتائج استطلاعات الرأي التقليدية.
لبنان حاضر في قصة النجاح
ما يميز قصة طارق منصور عن كثير من رواد الأعمال اللبنانيين في الولايات المتحدة أنه تحدث بوضوح عن تأثير نشأته في لبنان في مسيرته.
ففي مقابلته مع "واشنطن بوست"، أشار إلى أن عدم الاستقرار الذي عاشه في لبنان ساهم في تكوين نظرته إلى المخاطر والتقلبات، وأن الرياضيات كانت بالنسبة إليه ملاذاً من حالة عدم اليقين المحيطة به.
وهذا الجانب من تجربته يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى طبيعة الشركة التي أسسها، والتي تقوم فكرتها الأساسية على التعامل مع الأحداث غير المؤكدة ومحاولة قياس احتمالات وقوعها.
ورغم أن المعلومات المنشورة لا تكشف عن استثمارات أو مشاريع اقتصادية خاصة له في لبنان، فإن علاقته بهذا البلد تتجاوز الأصول العائلية، فهو المكان الذي أمضى فيه سنوات طفولته وتلقى تعليمه المدرسي، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويبدأ مسيرته الأكاديمية والمهنية.
وهكذا، انتقل الشاب الذي أمضى طفولته في بيروت إلى عالم التكنولوجيا والمال في الولايات المتحدة، ليؤسس شركة أصبحت قيمتها السوقية بعشرات المليارات، ويدخل نادي المليارديرات في سن الثلاثين.
إنها قصة نجاح لبناني في قلب الاقتصاد الأميركي الجديد، تحمل في تفاصيلها أكثر من مجرد إنجاز اقتصادي؛ فهي تروي أيضاً كيف يمكن لتجربة النشأة في بيئة صعبة ومتقلبة أن تترك أثراً في شخصية صاحبها، وأن تتحول إلى أحد العناصر التي ساهمت في رسم مسيرته نحو النجاح العالمي.