دافيد عيسى ل"جبلنا ماغازين": سنواجه فراغاً رئاسياً

عشية انطلاق أولى جلسات التصويت النيابية على رئيس جديد للجمهورية واشتداد حماوة المعركة، أعرب السياسي الأستاذ دافيد عيسى عن اعتقاده بأن عملية الانتخاب ستتعذر وسندخل في فراغ رئاسي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة الانتخابية ويبيح الاستثناء، الأمر الذي سيقوي من احتمال وصول قائد الجيش العماد جان قهوجي إلى بعبدا في المرحلة المقبلة.

دافيد عيسى، وفي مقابلة مع "جبلنا ماغازين" ركزت على الاستحقاق الرئاسي، أكد أن المرشح الأول والوحيد لحزب الله هو العماد ميشال عون، لافتاً إلى أن النائب وليد جنبلاط يمسك بورقة التحكم بالأصوات وبترجيح كفة مرشح 8 آذار في حال وجد قوى 14 آذار منقسمة على ذاتها ولم تتوافق على مرشح واحد.

وعن العناوين الملحة التي تنتظر ولاية الرئيس الجديد، قال عيسى إن من الأمور الأكثر إلحاحاً تثبيت الأمن والأستقرار، أي معادلة "الأمن أولاً" واستكمال الحوار وإصلاح المؤسسات. كما رأى أن على الرئيس المقبل ان يضع قضية الاغتراب والانتشار اللبناني في أولوياته.

وهنا النص الكامل للحوار:

س – أستاذ دافيد، ما هي مواصفات الرئيس القوي برأيك؟ وهل أنت من مؤيدي هذا التوجه؟

ج: الرئيس القوي هو بكل بساطة الرئيس القادر على ان يحكم ويقرر ويجمع من حوله وتحت مظلة الرئاسة كل القيادات والمكونات اللبنانية. هو الرئيس القادر على إدارة التوازنات والتناقضات ورعاية الحوار الوطني. وقبل كل ذلك هو الرئيس الذي يلقى عند المسيحيين التأييد والرضى والارتياح طالما ان منصب رئاسة الجمهورية هو منصب مسيحي وأرفع المراكز والمواقع المخصصة للمسيحيين في نظامنا الطائفي. ومن الطبيعي ان أكون من المؤيدين والداعين إلى انتخاب رئيس قوي وعلى قاعدة ان يختاره المسيحيون ويكون مقبولاً من المسلمين. والشرط الأول هو حصول اتفاق مسيحي على مرشح واحد.

س- لا شك ان لبنان يحتاج لكثير من العمل وكل العناوين في هذا الإطار اساسية، ولكن بماذا تختصر أهم الأمور المطلوبة من الرئيس المقبل؟

ج: أهم الأمور وأكثرها الحاحاً هي تثبيت الأمن والأستقرار. فمن دون أمن لا سياسة ولا اقتصاد ولا شيء. ولذلك فإن المطلوب في معادلة "الأمن أولاً" هو دعم الجيش والأجهزة العسكرية والأمنية وتعزيز قدراتها. وفي موازاة ذلك استئناف واستكمال الحوار الوطني لترسيخ دعائم الاستقرار السياسي والمضي قدماً في عملية اعادة بناء الدولة. فنحن بحاجة لورشة اصلاحات مؤسساتية وإدارية شاملة بدءاً من القضاء لإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها ولوضع حد لحالة النزف الحاصل في قدراتنا الاقتصادية والبشرية.

س – هل باعتقادك ان الانتخابات ستجري خلال المهلة الدستورية؟ وكيف ترى السيناريو الذي ستجري جلسات الانتخاب على أساسه؟ وفي حال حصول فراغ رئاسي ما الذي ينتظر لبنان؟

ج: نأمل ان تجري الانتخابات في موعدها الدستوري، ولكن للأسف لا نرى ولا نلمس الظروف والمؤشرات المشجعة والمساعِدة على إتمام هذا الاستحقاق الخاضع لتوافق وطني سياسي غير متوافر حتى الآن ولرعاية اقليمية ما تزال ناقصة. نعم ستجري أكثر من جلسة انتخاب لرئيس الجمهورية ولكن يتعذر انتخاب الرئيس إذا لم يحصل اتفاق سياسي على شخص الرئيس ودوره في المرحلة المقبلة، لأن المجلس النيابي محكوم بتوازن دقيق بين قوتين وكتلتين متكافئتين عددياً، أي بين 8 و14 آذار ويصعب على أي منهما حسم المعركة والإتيان برئيس من دون رضى وقبول الفريق الآخر. أما في حال تعذر الانتخاب ووصلنا إلى فراغ رئاسي - وهذا ما أعتقده لا بل أجزم به - فإن لبنان يدخل مرحلة جديدة نأمل ألا تطول ولكن الخيارات الرئاسية وقواعد اللعبة الانتخابية ستتغير. لكن ما يحدّ من القلق ان هناك حكومة متوازنة قادرة على ملء الفراغ لأشهر معدودة.

س – في 23 الجاري(غداً الأربعاء) سينعقد المجلس في أولى جلسات انتخاب الرئيس. كم وصل عدد المرشحين ومن هم؟

ج: لا نص في الدستور يلزم المرشحين إلى رئاسة الجمهورية بإعلان ترشيحهم رسمياً أو على أساس برنامج رئاسي. الظروف والمعادلات هي التي تحدد في كل انتخابات مواصفات وهوية المرشحين وعددهم. وفي الاستحقاق الراهن يجري التداول بلائحة محددة من المرشحين يمكن تصنيفهم إلى فئتين: مرشحو المعركة والمواجهة وهم مرشحو 8 و 14 آذار. ففي حين يبرز أربع مرشحين عند 14 آذار هم: سمير جعجع وأمين الجميل وبطرس حرب وروبير غانم، فإن الخيار في 8 آذار محصور بين اثنين هما: ميشال عون وسليمان فرنجية. أما الفئة الثانية فهي فئة المرشحين التوافقيين وتضم بشكل أساسي ثلاثة أسماء هم: جان عبيد، جان قهوجي، ورياض سلامة.

س – ما هي حظوظ الدكتور سمير جعجع وكيف تقيم برنامجه الرئاسي؟

ج: مما لا شك فيه ان الدكتور سمير جعجع قام بخطوة جريئة عندما قرر خرق التقاليد واعلان ترشيح علني ورسمي وعلى أساس برنامج رئاسي أراه متكاملاً ومفصلاً ومدروساً في تفاصيله بعناية وإتقان. ولكن جعجع الذي تفوّق وتقدم على سواه في طريقة خوض الانتخابات، ليس متفوقاً ومتقدماً في حظوظه. فمن جهة هناك تنافس داخل 14 آذار وحتى الآن ليس هناك اتفاق على مرشح واحد ما سيؤدي إلى تشتت اصوات هذا الفريق. ومن جهة ثانية فإن فريق 14 آذار ليس في يده اكثرية نيابية وهو بحاجة إلى أصوات الكتلة الوسطية خصوصاً أصوات كتلة النائب وليد جنبلاط الذي باعتقادي انه لن يؤيد جعجع.

س – لماذا برأيك تفرد جعجع في إعلان ترشيحه رسمياً على غير عادة المرشحين للرئاسة في لبنان؟

ج: في رأيي ان الدكتور جعجع عندما أخذ قراره بالترشح المعلن والرسمي فانه قصد بالدرجة الأولى توجيه رسالة مباشرة إلى حلفائه في 14 آذار بأن يحزموا أمرهم ولا يتأخروا في اتخاذ القرار المناسب ولا يفوتوا فرصة الانتخابات الرئاسية كمدخل إلى تغيير الوضع.

سمير جعجع وجد ان العماد عون سيكون مرشحاً مدعوماً من فريق 8 آذار وان هذا الفريق قرر خوض المعركة بمرشح واحد هو عون، وبالتالي على 14 آذار ان تخوض المعركة بمرشح واحد وان تختار الأول والأقوى مسيحياً في صفوفها.

س – وبالنسبة للعماد جان قهوجي قائد الجيش، هل ما زالت إمكانية ترئيسه واردة كما يحكى؟ وكيف ذلك؟

ج: إمكانية وصول قائد الجيش العماد جان قهوجي إلى رئاسة الجمهورية واردة في كل حين وستصبح واردة اكثر في حال لم يُصَر إلى انتخاب رئيس ضمن المهلة الدستورية ودخلنا في فراغ رئاسي. ففي هذه الحال يصبح اللجوء إلى خيارات استثنائية مطروحاً بقوة. ورغم المعارضة المبدئية لتعديل الدستور من جانب أوساط كثيرة إلا ان الدخول في الفراغ يسقط المهل الدستورية ولن نعود بحاجة لتعديل الدستور. وهذه الحالة عشناها مع انتخاب الرئيس ميشال سليمان. لكن في مطلق الأحوال فإن الحاجة والضرورات الوطنية تجيز وتبرر الخطوات الاستثنائية وتسقط التحفظات، والضرورات تبيح المحظورات.

س – وماذا عن الرئيس أمين الجميل ؟

ج: الرئيس أمين الجميل مرشح طبيعي إلى رئاسة الجمهورية كونه رئيس حزب سياسي عريق ويستند إلى حيثية سياسية وشعبية وصاحب تجربة وخبرة رئاسية سابقة. ولكن البعض يحسب هذه النقطة عليه ولا يحسبها له لأن الناس ميّالين إلى التغيير والتجديد في الوجوه والرؤساء. أضف إلى ذلك ان الرئيس الجميل، إذا كان مطروحاً للرئاسة رئيس توافقي، لا تنبطق عليه مواصفات الرئيس التوافقي لأنه من صقور 14 آذار. واذا كان المطروح رئيس قوي، فأنه مصنف على لائحة المرشحين الأقوياء ولكنه ليس الأقوى.

س – والوزير بطرس حرب؟

ج: الوزير بطرس حرب ينتمي إلى نادي المرشحين الدائمين لرئاسة الجمهورية ونأمل ان يدخل يوماً إلى نادي الرؤساء ولكن فرصته في الانتخابات الحالية ضعيفة.

س- ماذا لو لم تتفق قوى 14 آذار على مرشح واحد؟

إذا لم تتفق 14 آذار على مرشح واحد لن يكون بإمكانها أن تربح معركة الرئاسة وان توصل إلى قصر بعبدا رئيساً من صفوفها وستواجه في هذه الحال أحد احتمالين: أما الاندفاع باتجاه الرئيس التوافقي والتفاوض بشأنه، أو مواجهة خطر فقدان زمام المبادرة في المعركة التي يمسك وليد جنبلاط بورقة التحكم بها وترجيح الكفة لـ 8 آذار. وفي حال كان فريق 14 آذار منقسماً على ذاته فإن جنبلاط يستفيد من هذه الثغرة ليبرر التوجه الذي يتخذه. وسيكون الهامش واسعاً لديه لاتخاذ القرار الذي يناسب مصلحته..

س – وبالانتقال إلى مرشحي 8 آذار، هل ترى الجنرال عون رئيساً في الولاية المقبلة؟ وهل ارتباطه بوثيقة التفاهم مع حزب الله نقطة لصالحه أم ضده؟

ج: الجنرال عون مرشح جديّ للرئاسة هذا العام، وحظوظه هذه المرّة أفضل من العام 2008، وامكانية وصوله إلى قصر بعبدا موجودة ولكنها ليست مؤكدة ولا مضمونة وانما ما تزال ضعيفة إذا خاض الانتخابات كمرشح معركة ومواجهة وإذا اخفق في تسوية نفسه كرئيس وفاقي...

مما لا شك فيه ان تحالف عون مع حزب الله يشكل له عامل قوة وعامل إعاقة في نفس الوقت. هو عامل قوة لأن هذا التحالف يعطيه دفعاً ويجعله ينطلق من قاعدة نيابية واسعة. مع العلم ان هذا لا يكفيه وحده على رغم ان حزب الله هو ناخب أساسي ولكنه ليس الناخب الأساسي الوحيد. وهو من جهة أخرى عامل إعاقة لان ذلك يستفز "تيار المستقبل" الطرف السني الأقوى ويجعله من المعارضين لوصول عون إلى رئاسة الجمهورية وهذا "الفيتو السني" ضده سيكون العائق الأكبر لوصوله إلى سدة الرئاسة.

س – وماذا عن سليمان فرنجية؟ من سيصوت له؟ يقولون انه المرشح الحقيقي لحزب الله وليس الجنرال عون...

ج: سليمان فرنجية هو الرقم 2 على لائحة 8 آذار والبديل والمرشح الاحتياط في حال حالت ظروف وموانع دون مواصلة عون لمعركته أو في حال تبين ان فرنجيه هو الأوفر حظاً والأقدر على استقطاب واجتذاب أصوات لا يمكن لعون ان يحصل عليها مثل اصوات كتل بري وجنبلاط ونواب طرابلس. سليمان فرنجيه مدعوم من حزب الله وموثوق به من فريق 8 آذار. ولكن المرشح الأول والوحيد لحزب الله وحتى اشعار آخر هو العماد عون.

س – ماذا عن الاسماء الأخرى: جان عبيد وروبير غانم والحاكم رياض سلامة، هل ما زالت أسماءهم قيد التداول بنفس الزخم الذي كانت عليه في الأشهر الماضية؟

ج: جان عبيد وروبير غانم ورياض سلامة ( مع حفظ الالقاب) ما زالت أسماؤهم قيد التداول وستظل كذلك طالما ان خيار الرئيس التوافقي ما زال قيد التداول ومطروحاً، وهو سيتقدم على لائحة الخيارات وحيث لا امكانية لوصول رئيس تحدٍ واستفزاز أو رئيس فئوي يتعارض مع مقتضيات التوازن الوطني .

س – سمعنا كثيراً ان هذه الانتخابات ستكون لأول مرة بقرار لبناني صرف. إلى أي مدى هذا الكلام صحيح؟ ألا تتدخل السعودية وإيران وفرنسا وأميركا في جوجلة أسماء المرشحين اليوم؟

يحكى كثيراً هذه الأيام عن " لبننة " الاستحقاق الرئاسي وان تكون عملية اختيار وانتخاب الرئيس منبثقة عن قرار لبناني صرف. وهذا أمر جيد ومطلوب وليته يحصل على أرض الواقع. صحيح انه في استحقاق 2014 الهامش الموجود أكبر لدى الافرقاء اللبنانيين لجهة حرية الحركة والقرار وهو واسع مقارنة بالاستحقاقات السابقة، وهذا ناجم عن الانهماك الدولي والاقليمي في ملفات وأزمات كثيرة تتجاوز الملف اللبناني بدرجات... ولكن الصحيح اكثر ان لبنان هو جزء من المنطقة وأزماتها وملفاتها ويخضع لتأثيرات ومداخلات اقليمية ودولية لا يمكن تجاهلها وتجاوزها. فكيف اذا كان الطرفان الأقوى على الساحة اللبنانية (شيعياً وسنياً) لديهما ارتباطات اقليمية وواقعين تحت تأثير ونفوذ (إيران والسعودية)، ما يجعل اتمام الاستحقاق الرئاسي ينتظر توافقاً إيرانيا – سعودياً لا يمكن ان يكون إلا جزءاً من توافق عام حول المنطقة وملفات ذات اهتمام مشترك، على ان يكون هذا التوافق الاقليمي تحت مظلة دولية في أساسها الرعاية الاميركية والفرنسية للوضع اللبناني في ظل تشديد دولي على استقرار لبنان وتحييده عن الازمة السورية ومنع تمدد الحريق السوري إلى أرضه.

س – الاغتراب بحاجة لكثير من الاهتمام والرعاية. ما هي الأمور التي تعتقد ان على الرئيس المقبل ان يقوم بها من اجل تقوية أواصر العلاقة بين المغتربين وبلدهم الأم؟

ج: قوة لبنان ليست في ضعفه وإنما في إنسانه وعنصره البشري المميز والمتفوق والمبدع، في اللبنانيين المغتربين والمنتشرين في كل أصقاع الأرض. الانتشار اللبناني هو رأسمال الوطن وسرّ قوة لبنان وصموده رغم كل ما أصابه ولحق به من حروب وويلات. ولكن للأسف، تعاطي الدولة اللبنانية على مرّ العهود والحكومات ليس في مستوى أهمية المغتربين وطاقاتهم وحاجاتهم. والدولة متنكرة لأبنائها في الخارج ولا تعطيهم حقوقهم في استعادة الجنسية وممارسة حق الانتخاب، ولا تعرفهم ولا تذكرهم إلا عندما تحتاج إليهم وإلى أموالهم.

والمطلوب من الرئيس المقبل ان تكون قضية الاغتراب والانتشار اللبناني من أولوياته وان يعمل على تصحيح هذا المسار الخاطىء في التعاطي مع المغتربين وعلى ردم الهوة في العلاقة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، والعمل ايضاً على استعادة ثقة المغتربين بالدولة اللبنانية وتقديم حوافز لهم للعودة إلى لبنان وتجديد الروابط والعلاقة مع وطنهم الأم قبل ان تتفكك وتندثر مع الأيام. وباختصار يجب على الرئيس المقبل ان يقود ورشة اصلاحية شاملة في ملف الاغتراب اللبناني، وان يحدث تغييراً جذرياً في نمط التعاطي مع ملف الانتشار اللبناني وفي طرق وآليات العلاقة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر لا بد في الختام من الاشادة بموقع " جبلنا ماغازين " الذي يقوم بدور كبير في هذا المجال خصوصاً في موضوع التواصل بين الاغتراب والداخل اللبناني من خلال ما يقدمه يومياً من معلومات وأخبار وتواصل بين اللبنانيين وهذا برأيي أهم بكثير مما يقوم به الكثير من المسؤولين والسياسيين في لبنان.

 


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended