الهجرة غير الشرعية إلى أستراليا توقفت منذ غرق العبارة.. الدكتور جمال ريفي: الجالية اللبنانية لها وجهٌ مضيء ووجهٌ مُخزٍ

جبلنا ماغازين - سيدني

أستراليا، قبلة أنظار عدد كبير من اللبنانيين الذين يفكرون بالهجرة، ومحطّ رحال المهاجرين الأوائل (ومعظمهم من شمال لبنان)، تحولت في السنوات الأخيرة إلى هدف يسعى للوصول إليه مغامرون لبنانيون باعوا أملاكهم وسلموا أعناقهم وكل ما يملكون لعصابات التهريب لكي يصلوا إلى تلك الأرض البعيدة بطريقة غير شرعية، عساهم يحققون فيها حلماً بالاستقرار الأمني والمادي وبدء حياة جديدة. إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي عبّارات التهريب، فمن هؤلاء من غرق في البحر أثناء محاولة الوصول إلى أستراليا بوسائل تقتقر إلى أدنى درجات السلامة (كما حصل منذ شهرين في بحر اندونيسيا حيث غرق أكثر من 22 لبنانياً وفقد في البحر عدد مماثل)، ومنهم من تم توقيفه واعتقاله ومنعه حتى من وضع قدميه في تلك الأرض، ومنهم من وصل إلى هناك واعتقل ثم بات يعيش بلا أية حقوق بانتظار الترحيل. فأستراليا مصممة على عدم منح إقامات شرعية أو إجازات عمل لأي مهاجر غير شرعي يدخل أراضيها.
عن كل هذه المواضيع وأوضاع الجالية اللبنانية في أستراليا بشكل عام، حاور موقع "جبلنا ماغازين" الدكتور جمال ريفي (شقيق اللواء أشرف ريفي)، وهو طبيب يعيش في سيدني منذ ثلاثين عاماً ويشغل منذ عدة سنوات منصباً استشارياً في مكتب وزير الهجرة وملّم بقوانين الهجرة الأسترالية وبأوضاع اللبنانيين هناك.
وهنا نص الحوار:

س: دكتور ريفي، فلنبدأ من تاريخ الهجرة اللبنانية إلى أستراليا. متى بدأت؟ ومن أي مناطق لبنانية بشكل عام؟

ج: الهجرة اللبنانية إلى أستراليا بدأت منذ أكثر من مئة سنة. جاؤوا في بادئ الأمر بأعداد بسيطة ومعظمهم كانوا من مناطق شمال لبنان من الطوائف المسيحية. الأستراليون لم ينظروا إليهم في البداية على أنهم لبنانيون، بل سوريون. ولكن في الأربعينات، خلال الحرب العالمية الثانية، ذهب الجيش الأسترالي إلى لبنان وكان تفاعل جيد بينه وبين الشعب اللبناني في المناطق التي تواجد فيها وساهم في إعمارها. وهذا الأمر كان له أثر جيد على الشعبين فزاد من نسبة المهاجرين من لبنان إلى هذا البلد، وسجلت نسبة هجرة أكبر في الخمسينات إلى أستراليا. أما أكبر نسبة هجرة، فقد سجلت خلال الحرب اللبنانية في السبعينات، فكانت بأعداد كبيرة ومن كل مناطق لبنان ومن كل الطوائف. إلا أن النسبة الأكبر للمهاجرين كانت من مناطق الشمال.

س: وكيف تصف وضع الجالية اللبنانية هناك؟

ج: في الحقيقة، الجالية اللبنانية في استراليا كمشت المجد من طرفيه: من أعلى المناصب إلى أسوأ المجرمين الموجودين في أستراليا. فخر كبير للجالية أن الحاكم العام لولاية "نيو ساوث ويلز" كانت البروفسور ماري بشير اللبنانية الأصل، والجميع هنا يقولون إنها كانت من أفضل الحكام الذين مروا في تاريخ هذه الولاية، وزوجها سير نيكولاس شحادة كان يوماً عمدة مدينة سيدني. هناك أيضاً ستيف برنكس الذي كان رئيساً لحكومة ولاية فيكتوريا. ولدينا الكثير من النواب في البرلمان الأسترالي وأعضاء ورؤساء لمجالس البلديات. ومن أشهر الكتاب في استراليا اللبناني ديفيد معلوف ونحن نفخر بذلك. والجالية فاعلة جداً على كل الصعد الاقتصادية والتجارية والثقافية. للأسف، مقابل هذا النجاح، لدينا في الجالية اللبنانية هنا أشخاص ناجحون في العمل الإجرامي أيضاً. ومع كل الأسف، فإن الإعلام يلقي الضوء على النشاطات الإجرامية، الأمر الذي بات يطغى الآن على كل النجاحات التي تسجل لأبناء الجالية من النواحي التجارية والحضارية وغيرها.

س: المهاجرون اللبنانيون الذين دخلوا الأراضي الأسترالية ويقيمون فيها بصفة غير شرعية، ما هو مصيرهم؟

ج: كما هو معروف، أستراليا دولة سمعتها جيدة جداً وهي تؤمن العدالة الاجتماعية لأبنائها. وللأسف مؤخراً بدأنا نشهد وصول لبنانيين إلى هنا بصفة غير شرعية عن طريق البحر. هؤلاء غرر بهم تجار البشر والمهربون، وغالبيتهم أتوا من مناطق فقيرة ومعدمة في عكار وطرابلس. وعدوهم بأنهم سيوصلونهم عن طريق البحر ويدخلونهم الأراضي الأسترالية، وقالوا لهم إن الحكومة الأسترالية ستعطيهم تلقائياً سمة دخول شرعية، وهذا ليس حقيقياً أبداً. في العام 2013، وصل إلى أستراليا 370 لبنانياً بطريقة غير شرعية، غالبيتهم موجودون في معسكرات الاعتقال، والبعض منهم قيد الاعتقال منذ 10 أشهر. ومع الأسف سمعنا كلنا بالجريمة التي أدت إلى غرق 22 شخصاً من عكار وغالبيتهم من بلدة قبعيت، ولا يزال هناك 22 شخصاً مفقودين في البحر، وعلى الأرجح أنهم غرقوا أيضاً. في الوقت الحاضر، لدى أستراليا معقتل في "بابوا نيوغينيه" بداخله 42 شخصاً وهناك معتقل في "جزيرة ناورو" فيه 23 شخصاً، وهناك في معتقل جزيرة "كريسمس أيلند" 29 شخصاً، وفي معتقل "كيرتن" 19 شخصاً و17 شخصاً في معتقل آخر وغيرهم..

س:وهل كل الذين وصلوا بطريقة غير شرعية موجودون في المعتقلات أم أن بعضهم ليس معتقلاً ويعيش حياة طبيعية في استراليا؟
ج: هناك أشخاص خرجوا من المعتقلات ولكنهم لا يعيشون حياة طبيعية كأي مواطن أسترالي. فبحسب القانون الأسترالي، لن يُعطوا إجازة عمل بل يحصلون على إعانة شهرية بقيمة 200 دولار أسترالي فقط من الحكومة، وهذا المبلغ بالكاد يكفي لسد حاجاتهم الأساسية في المسكن والمأكل، وممنوع على أي كان توظيفهم تحت طائلة دفع غرامات كبيرة جداً. إذن المعاناة تشمل المعتقلين كما تشمل من هم خارج المعتقل. مهربو البشر الذين أتوا بهؤلاء إلى هذه البلاد يعطونهم وعوداً من المستحيل أن تتحقق، إذ أن الحكومة الأسترالية مصممة على عدم القبول بمن يأتي إليها لاجئاً بطريقة غير شرعية. فمن يحاول المجيء إلى هنا بهذه الطريقة يعرض حياته أولاً للخطر حيث من الممكن أن يغرق في البحر كما أنه من المؤكد سيخسر حريته لأنه سيدخل المعتقلات. لا تستأهل هذه المغامرة الخطرة أن يترك أحد بلداً مثل لبنان رغم الظروف هناك في الوقت الحاضر ليأتي إلى معتقل تحجز فيه حريته ويعرض حياته وحياة أولاده للخطر على الطريق.

س: من بعد حادثة غرق العبارة في أندونيسيا، هل رأيتم بأن الهجرة غير الشرعية توقفت أو على الأقل خفت؟

ج: مع الأسف قبل حادثة غرق العبارة كان مهربو البشر يقومون ببروباغندا كبيرة مفادها أننا نستطيع أن نوصلكم إلى أستراليا مقابل مبالغ مالية كبيرة جداً. كارثة الغرق أحدثت صدمة لدى كل اللبنانيين الذين أتوا بهذه الطريقة كما لدى أقاربهم في لبنان. وسمعنا بأنه بعد الحادثة كان هناك بعض اللبنانيين الذين وصلوا إلى أندونيسيا وتخوفوا من ركوب العبارات. بإمكاننا القول إن الهجرة غير الشرعية إلى استراليا توقفت منذ ذلك الحدث المشؤوم.

س: لقد قمت بزيارة المعتقلين اللبنانيين في جزيرتي مانوس وناورو في خلال فترة الأعياد. ماذا كان الهدف من الجولة وماذا كانت نتيجتها؟
ج: أنا منذ ست سنوات عضو في المجلس الاستشاري لوزير الهجرة وأنا عادة أزور المعتقلات الأسترالية وأتفقد المعتقلين من كل الجنسيات. ولكنني آثرت هذه المرة أن أخصص اللبنانيين بزيارة معتقلاتهم في الجزر البعيدة. لد قمت تلك الجولة بطلب من وزارة الهجرة وباندفاع شخصي والتقيت بالمعتقلين لكي اشرح لهم وضعهم القانوني كمهاجرين غير شرعيين من وجهة نظر الحكومة الأسترالية. ولقد ارتأى عدد منهم العودة إلى لبنان على نفقة الحكومة الأسترالية. هؤلاء المغرر بهم من قبل تجار البشر جرى تمزيق أوراقهم الثبوتية ورميها في البحر من قبل تلك العصابات، وبالتالي فلقد تكلمت مع القائم بالأعمل اللبناني في السفارة القنصل ميلاد رعد والقنصل العام جورج بيطار غانم وشرحنا لهم قضية المعتقلين كما أثيرت في لبنان من قبل السيد معتز زريقة وهو أسترالي لبنان عرض القضية مع اللواء عباس ابراهيم بهدف التسريع في إعطاء أوراق ثبوتية للأشخاص الذين يريدون العودة إلى لبنان. ومن جهتها الحكومة الأسترالية خصصت رزمة مساعدات للذين يرتأون المغادرة طوعاً وهي عبارة عن مبلغ مالي يعوض عليهم بعض ما خسروه في محاولتهم المجيء الى هنا.

س: هل اهتماماتك العامة في أستراليا محصورة أمور الهجرة والشأن الاجتماعي أم أنك تقوم بأدوار سياسية هناك؟

ج: أنا أنظر إلى ما أقوم به على أنه عمل خدماتي لجاليتنا وللمجتمع الأسترالي. لدي علاقات جيدة جداً مع السياسيين الأستراليين على صعيد ولاية نيوساوث ويلز في سيدني وعلى صعيد الحكومة الفديرالية وخاصة مع حزب العمال. و في خلال 30 سنة من خدمة المجتمع الأسترالي حاولت أن أجعل السياسيين الأستراليين ينظرون إلى القضية اللبنانية بمنظار يتلاءم مع منظارنا نحن، وهو الخط العريض لقوى 14 آذار.

 

س: ختاماً، هل الجالية اللبنانية في أستراليا هي نسخة عن لبنان المقيم من حيث الخلافات الطائفية والسياسية؟
ج: المجتمع اللبناني في استراليا هو انعكاس للمجتمع في لبنان، ولكن هناك نقاط مشتركة كثيرة بين اللبنانيين هنا قوية جداً وبالتالي هناك احترام وتعاون وتواصل بين كل أطياف المجتمع اللبناني، إن كانوا 8 آذار أو 14 آذار، أو سنة أو مسيحية أو شيعة.. دايماً منخلي الحد الأدنى المشترك بيننا يضل موجود ونحاول أن نمنع وصول التفرقة الموجودة في لبنان إلى مجتمعنا في استراليا. لا نطع شعرة معاوية بيننا أبداً ونبقى على التعاون والاحترام بغض النظر عن مواقفنا السياسية التي نؤمن بها.

 


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended