عن الاغتراب وطاقاته... أيّ لبنان ينتظر المغتربين؟ -بقلم: زهير الدبس

جبلنا ماغازين - بقلم: زهير الدّبس

قد يكون الحدث الاحتفالي لمؤتمر الطاقة الاغترابية الذي انعقد في البيال وحضره رئيسا الجمهورية والحكومة وحشد كبير من المغتربين اللبنانيين، الأكثر غرابة وتناقضاً في المشهد السياسي اللبناني.

غرابة المشهد لا تكمن في الطاقات والنخب اللبنانية المبدعة التي تنتشر على مساحة العالم وجاءت لنكوّمها في لبنان، ولا في دعوتها الى العودة والاستثمار في بلدها الأم واستعادة جنسيته.

غرابة المشهد تكمن في أننا نذهب ونفتش في كل أقاصي الأرض عن تلك الطاقات اللبنانية المغتربة لنأتي بها إلى بلدها ونكرمها وندعوها للعودة، بينما في لبنان هناك من ولد وعاش وتعلم ويفتش عن فرصة عمل ولا يجدها؛ فلا يجد سوى الهجرة طريقا لكي يعيش حياة حرة كريمة افتقدها في بلده، لنعود لاحقا ونفتش عنه ونأتي به لنكرمه.

ولا يوجد أبلغ مما قاله وزير الصناعة في الحكومة حسين الحاج حسن خلال مداخلة له في مؤتمر الطاقة الاغترابية من أن الجامعة اللبنانية أعلنت عن حاجتها لعشرين أستاذ جامعي فكانت المفاجأة أن أكثر من ألف طلب تقدم لذلك وكلهم من حملة شهادة الدكتوراة، فاضطرت الجامعة إلى إلغاء الطلب.

غرائبية المشهد في أن البلد الذي ندعو المغتربين إليه تقول الأخبار إنه يعيش على حافة الهاوية، بسبب عدم إقرار قانون للانتخاب يدور الخلاف حول شكله منذ أكثر من أربع سنوات، وأن المؤسسات الدستورية سيزحف إليها الفراغ إذا لم يحصل ذلك، وأن شوارعَ ستنفلت وحروباً ستعود.

غرائبية المشهد لا تقف عند هذه التفاصيل، فهناك غيضٌ من فيضٍ يزيد المشهد غرابة والتباساً. فالأسئلة كثيرة ومنها: كيف نستعيد المغتربين إلى وطنهم وندعوهم إليه فيما المقيمون فيه يفتشون دون كلل عن أقصر الطرق وأصعبها للهجرة منه، والهروب من وطن تحول بفعل الخلافات السياسية إلى جحيم لا يطاق؟

كيف نقول للمغتربين عودوا إلى وطنكم ونحرمهم في الوقت نفسه من حق المشاركة في القرار السياسي من خلال المشاركة في العملية الانتخابية التي لا زال المقيمون في لبنان محرومون منها منذ أربع سنوات؟

ماذا نقول لفيصل الخوري و إيڤا ناصيف وزياد أبو لطيف ومروان طبارة. هؤلاء المواطنون العاديون الذين لا يتحدرون من سلالات وعائلات وبيوتات لبنانية عريقة ونجحوا في الانتخابات الكندية وأصبحوا نواباً يمثلون أمة لجأوا إليها هرباً من الحرب التي اجتاحت بلدهم؟

ماذا نقول لمئات لا بل للآلاف أمثالهم الذين يتبؤون مناصب مهمة في أكثر من بلد في العالم ويعيشون مواطنة حقيقية في أوطان تليق بهم وبتطلعاتهم؟

كيف نقول للمغتربين الذين أسسوا أميراطوريات اقتصادية ضخمة في مختلف بقاع العالم وندعوهم للاستثمار في بلدهم الأم في ظل مناخ طارد للاستثمار، يفتقد إلى الحد الأدنى من الشروط - أهمها الاستقراران الأمني والسياسي - وإلى قوانين مرنة تحفّز المستثمر على المجيء والاستثمار؟

كيف ندعو المغتربين الذين يعيشون في كندا وأستراليا وأميركا وأوروبا - مع كل ما توفره تلك الدول من نمط حياة ورفاهية لأن يعودوا إلى لبنان الذي يعيش أوضاعاً كارثية لجهة تلك الخدمات من بنى تحتية مهترئة وكهرباء استهلكت ثلث الدين العام وتبشر بالمزيد، ومياه لا نراها إلا في الشتاء تهطل من السماء، وشبكة طرقات تفتقر إلى الحد الأدنى من السلامة العامة وتتسبب بسقوط المئات من الضحايا سنوياً؟

كيف نقول للمغتربين عودوا إلى بلدكم والفساد ينهش جسده ويتغلغل في كل مفاصل الدولة والمحسوبيات هي المفتاح الأساسي لأي تفصيل فيه؟

هل نقول لهم إن نسبة البطالة هي 26 بالمئة وأن الروتين الإداري سيستهلك معظم وقتهم وأن ثلاثين بالمئة من الشعب اللبناني غير مشمول برعاية صحية وإجتماعية؟

هل نقول لهم أنهم سيدفعون فاتورتيْ كهرباء وفاتورتيْ ماء، وأن خدمة الإنترنت هي الأبطأ في المنطقة، إن لم يكن في العالم؟

هل نقول إن الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم التي انطلقت قبل أكثر من نصف قرن وكانت علامة فارقة في الاغتراب اللبناني قد تحوّلت جامعات ثلاث تعاني الشلل وتفتقد الدور الذي أنشئت من أجله؟

"النوستالجيا" كلغة لم تعد صالحة لمخاطبة المغتربين ومحاكاتهم... أصبحت خطاباً ممجوجاً تحول إلى كليشيهات فارغة من أي مضمون، في عالم يصغر يوماً بعد يوم بفعل "السكايب" والإنترنت اللذين حوّلا العالم الى قرية كونية صغيرة وبدّلا بشكل جذري في مفهوم الاغتراب.

المطلوب مقاربة مختلفة لموضوع الاغتراب يفتقدها لبنان الذي يحاكي هؤلاء المغتربين اليوم، مقاربة علمية وطنية بعيدة عن هواجس الأرقام وحساباتها، بعيدة عن القلق والخوف اللذين يمعن التبدّل الديمغرافي في لبنان في الضغط على منع مقاربة حقيقية للاغتراب.

المطلوب استعادة المغتربين كمواطنين إلى وطنهم، لا أرقاماً في حسابات الطوائف.

المطلوب مقاربة مختلفة تحاكي الأبعاد المتعددة للإغتراب، ومنها التنموية تحديداً وعلى الصعد كافة، الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها.

الطريق التي يشقها لبنان إلى مغتربيه لا زالت غير معبّدة ولا توصل إليهم، تملؤها الحفر والعوائق وتحتاج الى "آليات" مختلفة وحديثة.

لقد أصبحت الهوة عميقة بين ما يعيشه المغتربون في مغترباتهم وبين ما ندعوهم إليه، مكاناً وزماناً. الأول يعيش الحاضر ويسير نحو المستقبل بخطى ثابتة وبسرعة هائلة، والثاني يعيش الماضي ويسير بسرعة كبيرة نحو هوّته السحيقة!

  ~زهير الدّبس


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended