حين جمعت أحلامي في حقيبة... ورحلت! -بقلم: باسم عربيد

كتب صديق "جبلنا ماغازين" باسم عربيد (من ألمانيا):

نوبة من الطموح اجتاحتني حين وقفتُ قبل دهرٍ على شاطىء بحر لبنان وأصغيتُ الى ثرثرات أمواجه... متكئاً على همومي وعارضاً للمآسي التي جمعتها في سنواتي الثلاث والعشرين للبيع!

وكأن كلمة السر كان عليّ أن أجدها وراء البحر حيث تمايلت تلك البلاد البعيدة في مخيلتي مثلما تتمايل سنبلة القمح على رياح الخريف... ولم أكن اعلم أنها فارغة!

وأصبحت الحياة كابوساً بعد أن جهزتُ مركب الغربة ولملمتُ أيامي الجميلة لتكون مجاديف تساعدني على بلوغ الهدف...

وجمعتُ أحلامي فصنعت منها الشراع الذي تقذفه رياح الخيال ليدغدغ قلبي...

خزّنتُ هواء الوطن كله في صدري وانطلقت في مركب الأحلام الذي بدأ يمخر عباب البحر...

نظرتُ نظرةً أخيرةً خلفي، فسقطت دمعة من عيني في البحر... أردتُ أن استعيدها، فكان طعمها قد أصبح مالحاً، واختفى الوطن خلف ضباب الطموح والغربة، وأصبحت البسمة كسولة... زائغة!

قرابة الثلاثين عاماً مضت على رحيل المركب، وأصبحت الذكريات معجونة بدمع الفراق، واختفت خميرة البركة من الحياة بعد أن ابتلعتها أمواج الغربة! فالمغترب هو كالفلاح الذي يرمي بذوره في الارض وينتظر السماء كي تمطر لتحيا البذور، ولكن السماء تمطر بعيداً... وتختفي البذور في أفواه الطيور وفي أوكار النمل...

ولا تنبُت البذور لأنها زُرعت في أرضٍ غريبةٍ... في غربةٍ ضربها الجفاف وغاب عنها حنان الأم ودفء الأرض التي ما انتميتُ يوماً سوى إليها!

زلزالٌ من المشاعر والأحاسيس، وشوقٌ قارس، وحبٌ يُلاكِم الهواء، وذكرياتٌ معلقةٌ بحافة الفكر، ومغتربٌ مجروحٌ ينزف الوطن في الغربة!

أما مركب الأحلام الذي رسى على شاطىء اللّاوطن، فهو اليوم أراد العودة، ولكن بعدما أصبح عجوزاً عاجزاً عن الإبحار... فالهمّ مزق شراعه، و ملح الغربة نخر في مجاديفه حتى هرمت... وها هو يغرق في بحر غريبٍ حيث لا مدفن يأوي بقاياه!

*باسم عربيد (ألمانيا)

 


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended