Follow us

image

كيف يعيش الأهل حياتهم بعد هجرة أبنائهم؟

مقال "زينب ياغي" – السفير

عندما سافر الإبن البكر لأم جاد إلى دبي للمرة الأولى، شعرت كأن قلبها ينخلع من مكانه. كان يبلغ حينها من العمر واحداً وعشرين عاماً، فأخذت تبعث له كل صباح برسالة على هاتفه المحمول: «صباح الخير أتمنى لك يوماً سعيداً». وبعد عودته من العمل، تترك له الأم مجالاً كي يرتاح ثم تسأله عن أخباره وما إذا كان نهاره جيداً.
ثم بدأت أم جاد تعتاد، تدريجياً، على سفر الأبناء واحداً تلو الآخر. فقد سافر ثلاثة من أبنائها، البكر بينهم ينتقل من بلد إلى آخر، بحكم عمله في إعداد برامج للشركات على الكومبيوتر، والاثنان الآخران في الولايات المتحدة الأميركية، بينما بقي الرابع في بلده، ويعمل في أحد المصارف في بيروت.
تتحوّل هجرة الأبناء إلى أمنية أو مطلب لدى العائلات في لبنان، لكن الأهل يجهدون في إخفاء آلام الفراق عن أبنائهم. ويروي أهالي أربع عائلات هاجر ثلاثة وأربعة من أبنائها، كيف تتغير حياتهم. يعيشون الوحدة قبل أوانها، يتعاملون مع وسائل التواصل الاجتماعي وهدفهم الأول التواصل مع الأبناء، يسافرون فقط من أجل رؤيتهم. هي الحياة التي تصبح موزعة بين دول متعددة، وأمكنة متعددة، ومواقيت متعددة. لكن الأهل مضطرون مع ذلك على تشجيع أولادهم لبناء حياتهم الجديدة، لأنها الحياة التي لا يوجد بديل عنها.
بين الإجبار والاختيار
لدى أم طالب أربعة أولاد مهاجرين، هم الإبن البكر طالب ويعمل في الهندسة المدنية في الولايات المتحدة، وابن آخر يعمل مع شقيقته في قطر، وابنة ثانية في عمان، بينما يقيم ابنها الأصغر مع أهله في بيروت. وفي حال سنحت له الفرصة للسفر سيهاجر بدوره. تقول أم طالب إن أولادها تخصصوا في مجالات الهندسة، وكانت تتمنى لهم البقاء في بلدهم، لكنهم جربوا فرص العمل فيه، ووجدوا أن الرواتب لا تكفيهم حتى للمصاريف اليومية. ويقول زوجها إن أولاده هاجروا مرغمين لأنهم «ولدوا في بلد حكامه ظالمون ومستبدون وحرامية، يعملون لتفرقة الأخ عن أخيه من أجل ترك الناس البلد وبقائهم وحدهم في مناصبهم».
عندما سافر الابن البكر منذ ثمانية عشر عاماً، تحوّل الجو في المنزل إلى ما يشبه العزاء، وعندما ودع طالب شقيقه الأصغر منه فادي في المطار، أخذ أصدقاؤهما يبكون لبكائهما، ولا تنسى أم طالب كيف كان ابنها الصغير يبكي كلما سمع صوت الآذان، لأنه يبث لديه شعوراً بالحزن على فراق أخيه البكر. توضح أن ابنها الصغير سافر أيضاً لفترة قصيرة، وحينها عمّ الفراغ المنزل، كانت تبكي وهي تطهو الطعام، وتردّد: «مَن سيأكله؟ فأنا وزوجي نأكل أيّ شيء».
وبعد عودة ابنها كانت تطلب منه دعوة أصدقائه لتناول الطعام برفقتهم كي تستردّ الشعور بوجود زحمة في المنزل. تعتبر أم جاد من جهتها أن أبناءها اختاروا الحياة في أمكنة أخرى، وعلى الإنسان الاعتياد على فكرة العيش من دون أولاده، وإلا سيُصاب بالاكتئاب والتوتر ويشغل بالهم. تخبئ مشاعرها أحياناً عن أولادها كي لا تكون عبئاً عليهم، وتسبب لهم الإرباك في حياتهم. تقول: «يجب على الأم والأب أن يكونا داعمين لأولادهم في الغربة، بالطريقة التي يريدها الأبناء وليس الأهل».
أما بالنسبة لتيريز التي هاجر ثلاثة من أولادها، فإن «فراق الأبناء من أكثر الأمور ألماً في الحياة». تشعر تيريز بالكآبة على فراقهم، لكنها تعود وترضي نفسها، وتصلي كثيراً ليسوع والعذراء لكي يبعد أولاد الحرام عنهم. وتقول إن أولادها بنوا حياتهم في بلاد الهجرة، فلديها إبن يملك معمل خياطة في الولايات المتحدة، وابنتان في فرنسا، زوج إحداهما مدير شركة والثاني يملك مطعماً. تضيف: «مش حلو تربي ولادك وتعلمّيهم ثم يسافروا، لكن في بلاد المهجر اعتادوا على الحياة بكرامة، ولم يعودوا يجيدون حتى القيادة في بلدهم». تفرح عندما تزور أولادها وتحزن عندما تعود، تستند إلى الصلاة كثيراً لمساعدتها على التحمل: «هذه حال الدنيا، وأنا مرتاحة الحمد لله لحياتهم. لا أستطيع الطلب منهم العودة إلى بلدهم والعمل فيه، كما أني لا أريد لهم البهدلة من أجل أن يكونوا قربي».
يعتبر منير، وهو أب لثلاثة أولاد مهاجرين، أن هناك سبباً رئيسياً أضيف إلى السبب الاقتصادي للهجرة، وهو غياب الانتماء للوطن، حتى لدى أولاده. ويقول إن الجيل السابق عاش في مرحلة اجتماعية وسياسية كان يطمح فيها للتغيير الاجتماعي والسياسي، بينما تربت الأجيال الأصغر سناً على مفهوم الانتماء المذهبي، وتحصيل الحقوق عبر المذهب: «من لا يتبع لانتمائه المذهبي فلا يجد عملا، وفي حال وجد عملاً عبر التبعية المذهبية، سوف ينصاع لفئات أدنى مستوى ثقافياً واجتماعياً، ويضطر لطلب الخدمات منها. عدا ذلك، أصبحت المتطلبات الاقتصادية أكبر من الدخل الفردي، لاسيما لدى جيل الشباب، لذا فإنهم يلجأون للهجرة».
ويضيف أنه «في حال كانت هناك نية لدى بعض الشباب في فعل شيء ما، فإن آفاق التغيير مقفلة، والجدار سميك لدرجة لم يعد ممكناً فتح ثغرة فيه. لذلك إما يُفلسون، وإما يتبعون المغريات في الخارج: هناك توجد كرامة للإنسان، واستقرار اجتماعي واقتصادي، وحتى في الدول التي يُطرد منها لبنانيون لأسباب سياسية، كما يحصل في دول الخليج بين فترة وأخرى، يبقى وضعهم أفضل مما هو عليه في بلدهم».
كان منير مهاجراً بدوره مع أشقائه إلى إيطاليا، ويوضح أنه على الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب هناك، لا يرغب أشقاؤه في العودة إلى لبنان، مؤكداً أن الحصول على الجنسية الأوروربية أو الأميركية تحول إلى استراتيجية لدى اللبنانيين.
التواصل البديل
تتحول وسائل التواصل الإلكتروني مع الأبناء إلى وسائل بديلة عن اللقاءات الحقيقية، وتقول أم جاد إنها ترسل لهم الرسائل عبر الأنترنت و «الواتس آب»، وتحدثهم مرة كل أسبوع عبر «السكايب». لدى ابنها البكر طفلان تتحدث إليهما عبر السكايب، وقد ساعدهم ذلك على التعرف إلى جدهم وجدتهم. سابقاً لم يكن الطفل البكر يقترب منهما لدى زيارة لبنان مع أهله، وحالياً يتحدث الطفلان معهما عبر السكايب، ويرسلان لهما القبل، يعزف أحدهما الموسيقى، أو يجمّع «البازل» أو يقوم بحركات الجمباز، كل ذلك عبر الصورة.
وترى أن وسائل التواصل تطمئن الأهل على أولادهم، لكنها لا تعوض أبداً الشوق والحنين. تستمر في التفكير بهم: ماذا لو كانوا مرضى أو متعبين؟ وكلما تحدّثت إليهم يزداد شوقها، لكنها تعزي نفسها: «الحمد لله أنهم بخير». وفي حال كان أحدهم مريضاً تتحدث إليه أكثر من مرة يومياً كي تطمئن إلى صحته.
وتعتبر تيريز نفسها أوفر حظاً، لأنها لا تكتفي بالتواصل الالكتروني، وإنما تسافر بشكل دوري لزيارة أبنائها. يزور كل منهم لبنان مرة كل سنتين تقريباً، وتزورهم بدورها، فتتوقف في فرنسا أولاً، ثم تكمل رحلتها إلى الولايات المتحدة. يعوض سفرها إلى أولادها عليها قليلاً، وتحاول تشبيه نفسها بمئات الأهالي الذين تلتقي بهم في المطار، وهم يقصدون مثلها أولادهم في بلاد هجرتهم. وإلى جانب السفر تتواصل معهم كل يوم تقريباً عبر «الفايبر» والهاتف: «وسائل التواصل تفش الخلق، لكنها لا تغني عن رؤيتهم».
تقول أم طالب إنّها تتبادل الاتصالات يومياً مع أولادها الأربعة، فيجب أن تسمع أصواتهم كل يوم. قبل سفرهم لم تكن تنام إلا بعد عودتهم جميعاً إلى المنزل. يساعدها حالياً «الفايبر» في توفير الكلفة اليومية للاتصالات، وتقول إنه لولاه لكانت الحياة شديدة الصعوبة لأنه سوف يترتب على الأهل دفع مبلغ مالي كبير يومياً من أجل الاتصال بأولادهم. كما تتبادل أم طالب الزيارات مع أولادها، ويتفق الأبناء الأربعة على زيارة أهلهم في توقيت واحد كل صيف.
وبعد أن يعبر منير عن ارتياحه لوجود أبنائه خارج لبنان، يقول إنه «يفتقد طبعاً لحركة الأولاد في المنزل، يفرح عندما يزورهم ويقفل قلبه عندما يعود». ينتظر صورهم وكلامهم عبر «الواتس آب». يزور ابنه لبنان كثيراً بسبب طبيعة عمله، وستقيم ابنته الكبرى في لبنان هذا الصيف قبل انتقالها إلى عمل جديد، ومثلها سوف تزور شقيقتها الصغرى أهلها قبل انتقالها إلى عمل جديد.
في مرحلة الشيخوخة
تزرع أم جاد الخضار والفاكهة في أرضها، بعد تقاعد زوجها، توزع الفائض، ترسل لأولادها أحياناً صور فواكه وخضار: «لو كانوا هنا فسأزيد الكميات المزروعة». وفي حال أكملت حياتها وحدها وتحوّلت إلى امرأة عاجزة، ستستأجر عاملة منزل لمساعدتها في تدبير شؤونها، أو تؤجر أحد طوابق منزلها لإحدى العائلات مع أولادها الصغار، لأنها تريد إشاعة الفرح، أو تطلب من أولادها وضعها في دار عجزة مريح، فهي لا تحبّ العيش وحدها وترغب دائماً في الإقامة مع أشخاص آخرين.
ترى الحياة في الكبر قراءة وصداقات وإيماناً وصلاة. لكن «إذا فقدت الإدراك فلا حول ولا قوة إلا بالله. يقول لي أولادي: لا تشغلي بالك سوف ندبر لك مساعدة منزلية تهتم بك».
تعيش تيريز وحدها في منزلها بعد وفاة زوجها منذ اثني عشر عاماً، وتسلّي نفسها في محل بيع الألبسة الذي تملكه، كما يوجد لديها ابنة متزوّجة في لبنان، وأخوة وأخوات تلتقي بهم بشكل دائم. تصف تيريز نفسها بأنها امرأة واقعية، لكنها تستمر في الدعاء لأولادها كي يعودوا في النهاية: «لا أعرف كيف سأقضي آخرتي، ولكن كتّر خير الله».
يشعر منير أنه كبر في العمر ولم يعد لديه من الطموحات سوى رؤية أولاده كل فترة، لا بل يفكر حالياً كيف يسافر وزوجته إلى حيث يعيش أولاده في دول الخليج: «نعلم في جامعات خليجية ونعيش قرب الأولاد. تصوّري إلى أي حد تراجع الانتماء للوطن؟ لم تعد الهوية تعني الكثير، فالحرامية مستمرون على رأس السلطة، ولم يعد المواطن قادراً حتى على الانتخاب».
وتبدي أم طالب خوفها من الوصول إلى مرحلة العجز من دون وجود أولادها حولها. تقول إنها عندما أجرت عملية جراحية منذ فترة، اهتمّت بها شقيقاتها وشقيقات زوجها، لذلك تعمل مع زوجها حالياً على تقديم طلب هجرة إلى الولايات المتحدة، لأن ابنهم يريد لهم العيش قربه. لا ترغب أم طالب بالعيش خارج لبنان، ولكنها لا تستطيع إرغام أولادها على المجيء. تقول وهي تضحك إنها تريد تعلم اللغة الانكليزية، كي تتحدث على الأقل مع أحفادها.

الاقتراب من "النهاية"
يقول الباحث في علم الاجتماع العائلي الدكتور زهير حطب إن «موضوع ترك الأولاد للسكن الوالدي هو الحدث الأهم في حياة الأهل والأبناء على حد سواء». وفي حال ترك الابن المنزل تحت الضغط والإكراه لأسباب اجتماعية وأمنية وسياسية، يعيش الأهل الغصّة لأنهم لم يجدوا عملاً له ومنزلاً في بلده، بينما يعتبر الابن ذلك شكلاً من أشكال نشدان الحرية.
يضيف: «دوافع الشباب للهجرة تكون عادة من أجل العمل وإبعاد الخطر عن حياتهم، وعدم تعرّضهم للتقلبات السياسية والأحداث الدموية التي تحصل في بلادنا، بينما يعتبر الأهل أن ابنهم سافر مقهوراً، يدركون أنه يعيش حياة مادية أفضل، لكنه بالنسبة لهم سوف يعود إلى بلده».
ويوضح حطب أن «هناك شباباً غيروا معتقداتهم بعد ترك منازل أهاليهم، أما تفريغ الوطن من الأبناء فهو ليس من مسؤولية الأب ولا الأم، وإنما مسؤولية الطبقة السياسية، فأنا شخصياً لديّ ثلاثة أبناء أطباء مهاجرون»، مؤكداً أن «الشباب يردّون بالهجرة على السياسات الفاشلة والعنصرية التي تقودنا إليها الطبقة السياسية، وموجات الهجرة في الوقت الحاضر هي صمام أمان لدى الشباب، وإشهار موقف ضد الطبقة الحاكمة وتقييم أسلوب عملها وأدائها».
وبالنسبة للأهل في بلادنا، فهم يختلفون عن الأهل في الدول الغربية، فلا توجد لديهم محاور اهتمام خارج نطاق المهنة والأولاد، إلا في حال كان لدى أحدهم التزام سياسي، بينما يجب أن تكون لديهم اهتمامات وعلاقات أخرى، صداقات، نشاطات، استكشاف أماكن جديدة. ويقول حطب إن «الرغبة ملغاة لدى الأهل، والأبناء هم عبارة عن تمدد عاطفي ووجداني يتلبس كل الفضاءات التي يعيشونها، لاسيما عندما يكبرون في العمر. ولدى الكبار يعني غياب الأولاد أن هناك من يقول لهم: أنتم تقتربون من النهاية».
ويلفت إلى أن الرغبة في الهجرة لم تعد تقتصر على الشباب، فهو يلتقي بأساتذة جامعيين أحيلوا إلى التقاعد وباعوا كل ما يملكون، ويرغبون بالسفر، ولديه صديق عميد جامعي «كان ذا قيمة علمية»، انتقل بعد تقاعده إلى باريس ويعمل حالياً «بيبي سيتر» لحفيده
.