الجيش اللبناني... الصامت الأكبر

كتب صبحي منذر ياغي:

 

"الصامت الأكبر" .. و"الجيش هو الحل"... عبارات كثيرة ترددت في الزمن الماضي عند كل منعطف تتعرض فيه مؤسسة الجيش اللبناني للخطر، أو لانتقادات سياسية، حتى اعتبر البعض أن الجيش صار مكسر عصا، وفشة الخلق.. 
فالجيش اللبناني شكل، ومنذ تأسيسه، صمام الأمان لوحدة المجتمع اللبناني، وهذا ما أثبتته الأحداث الأليمة التي عصفت بهذا الوطن، خصوصاً عند انقسام الجيش خلال الحرب الأهلية. لذا، أدرك اللبنانيون أن الجيش خط أحمر، وهو رمز السيادة ورمز وحدة اللبنانيين.. 
يأتي هذا التحقيق في الذكرى الثامنة والستين لتأسيس الجيش اللبناني، وفي ظل اشكاليات واجهت هذا الجيش مؤخراً، وفي الوقت الذي تتحضر فيه جمعيات واندية لبنانية لتنظيم مسيرة مليونية تأييداً للجيش في ذكرى عيده الذي يصادف في الأول من آب (أغسطس). 
يعتبر المؤرخون أن نواة الجيش اللبناني تشكلت منذ عهد فخر الدين أي القرن 17 في وقت مبكر خلال إمارة لبنان ( 1516ـــ 1840). وجاء أول انتصار كبير في 31 تشرين الأول (اكتوبر) 1622 ضد العسكر العثماني في معركة مجدل عنجر
وخلال تلك الفترة تمتع لبنان بما يشبه الحكم الذاتي في زمننا، وكان لمتصرفية جبل لبنان جيشها المكون من ميليشيات المتطوعين

فرقة الشرق 

في العام عام 1916 شكّلت الحكومة الفرنسيّة <فرقة الشرق>، ومنها تأسّس أوّل فوج من <القنّاصة اللبنانيّة>، وهو نواة الجيش اللبناني. وقبيل إعلان استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، ضُمّت القطع العسكرية اللبنانية المختلفة في وحدة كبرى، هي اللواء الخامس. وبعد الاستقلال بقليل، شكّلت الحكومة اللبنانية وفداً رسمياً لمفاوضة الفرنسيين حول تسلّم الجيش اللبناني. وبنتيجة المفاوضات، صدر عن هيئة أركان حرب القيادة المختلطة الفرنسية ــ الإنكليزية قرار قضى بانتقال الجيش اللبناني، الذي كان عديده آنذاك 2676 رتيباً وجندياً باستثناء الضباط، إلى كنف الدولة اللبنانية المستقلّة، وذلك اعتباراً من الساعة صفر من أول آب (أغسطس) العام 1945، وتمّ تعيين الزعيم فؤاد شهاب قائداً له، والزعيم سليمان نوفل رئيساً لأركان حربه. وفي هذا التاريخ تمّ رفع العلم اللبناني بصورة نهائية على جميع المؤسسات الحكومية، وأقيم أوّل عرض عسكري للجيش اللبناني أمام وزارة الدفاع الوطني عند منطقة المتحف، بحضور رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، وأركان الدولة كافّة
وفي عام 1943 تمّ دمج أفواج القنّاصة والوحدات العسكريّة المختلفة، وشكّل أوّل لواء في تاريخ الجيش، وهو اللواء الخامس بقيادة العقيد فؤاد شهاب. وفي عام 1945، وضمن المفاوضات التي تمّت بين الحكومة اللبنانيّة وسلطات الانتداب الفرنسي بشأن تسلّم المصالح المشتركة، تمّ الاتّفاق على نقل مسؤوليّة قيادة القوّات العسكريّة من الفرنسيين إلى الدولة اللبنانيّة
ويرى الزميل مـنـصـور بـو داغـر أنه في 1 آب (أغسطس) 1945 انتقلت رسميّاً قيادة القوات المسلّحة اللبنانيّة إلى السلطات اللبنانيّة، واستمرت تشكيلات الجيش العسكريّة موزّعة على أساس أفواج قنّاصة وعددها ثلاثة، إلى أن تحوّل في أوائل الثمانينات مع العماد ابراهيم طنّوس بشكل كامل إلى تشكيلات موزّعة على أساس الألوية وعددها 12. وقد تصدى الجيش اللبناني عام 1948 بواسطة فوج القنّاصة الثالث للقوّات الاسرائيليّة وطردها من قرية المالكيّة التي كانت جزءاً من لبنان حتى عام 1923 يوم ألحقت بفلسطين بعد ترسيم الحدود الجنوبيّة بين فرنسا وبريطانيا
وسقط للجيش في معركة المالكية النقيب محمد زغيب ابن بلدة يونين البقاعية، واعتبرت هذه المعركة من المعارك الوحيدة التي سجل فيها العرب انتصارهم على الغزاة الصهاينة عام 1948
ويشير منصور بو داغر الى أنه عام 1958 رفض قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب إقحامه في المعارك الداخليّة، إلا أنّه خلق توازناً دقيقاً قائماً على احتواء المعارك وعدم امتدادها إلى مناطق أخرى، وعلى استمرار عمل السلطات الدستوريّة. وكان من نتيجته أن استمر رئيس الجمهوريّة كميل شمعون في منصبه حتى انتهاء ولايته

سجل حافل بالانتصارات 

لم يتأخّر الجيش في تلبية واجبه الدفاعي، مقدّماً التضحيات الجسام على مذبح الوطن، إذ خاض ولم يزل فتيّاً خلال العام 1948، أولى معاركه البطولية ضدّ العدوّ الإسرائيلي في بلدة المالكية، واستطاع تحريرها منه. ثم توالت بعد ذلك سلسلة المواجهات مع هذا العدو، حيث أدّت الوحدات العسكرية اللبنانية قسطها في حرب حزيران (يونيو) العام 1967، إلى أن كانت المواجهات المباشرة العام 1970، في منطقة سوق الخان ـــ حاصبيا، وعلى محوري بيت ياحون ـــ تبنين، وكفرا ـــ ياطر العام 1972، حيث سجل الجيش اللبناني انتصارات مذهلة في وجه العدو الاسرائيلي، وقد تمكن احد الجنود من آل الزغبي من أن يدمر بدبابته سبع دبابات اسرائيلية، قبل أن تقوم الطائرات الاسرائيلية بقصف دبابته فأصابته بجروح وحروق. وقد أمر الرئيس سليمان فرنجية يومئذ بنقله الى الخارج للمعالجة، فيما جرى وضع دباباته المدمرة في ثكنة صيدا كنصب وتذكار يرمز الى البطولة، وكتب فوقها <الدبابة البطلة>. 
ومن الانتصارات التي حققها الجيش في صور من العام 1975، مروراً باجتياحي 1978 و1982، وعمليتي تصفية الحساب العام 1993، وعناقيد الغضب العام 1996، ومواجهات عربصاليم وأنصارية العام 1997، وصولاً إلى عدوان تموز (يوليو) العام 2006 حيث قدم الجيش حوالى 50 شهيداً في مواجهة العدو الاسرائيلي، وفي موقعة العديسة العام 2010

الحرب اللبنانية 

خلال الحرب اللبنانية عام 1975، تعرض الجيش للانقسام نتيجة واقع الوطن المنقسم على نفسه، ونشأ جيش لبنان العربي بقيادة الرائد أحمد الخطيب، وجيش انطوان بركات، وعام 1978 نشأ جيش لبنان الحر بقيادة الرائد سعد حداد والذي كان مدعوماً من الجيش الاسرائيلي... وتعرضت ثكنات الجيش للاعتداءات والنهب والسرقة، كما تعرض ضباطه للاغتيال خلال الأحداث على أيدي الأحزاب والميليشيات... وخلال الاجتياح الاسرائيلي، وهو الاجتياح الاسرائيلي الأوّل عام 1978، أرسل الجيش اللبناني، تطبيقاً للقرار 425، فرقة عسكريّة إلى الجنوب لمشاركة قوّات الأمم المتّحدة التي نُشرت هناك. وفي بلدة كوكبا حصلت مواجهة بين هذه الفرقة والجيش الاسرائيلي

حروب داخلية وانقسامات 

واذا توحدت قيادة الجيش عام 1977 في عهد الرئيس الياس سركيس وبقيادة العماد فكتور خوري، إلا أنه بين عامي 1982 و1990 عانى الجيش اللبناني من إقحامه في المعارك الداخليّة، ووصلت فيه الأمور عام 1988 إلى انقسام قيادته نتيجة انقسام البلاد بين حكومة العماد ميشال عون العسكرية وحكومة الرئيس سليم الحص. ودخل الجيش في صراع مع القوات اللبنانية في ما عرف بـ<حرب الالغاء>، وفي 13 تشرين الاوّل (اكتوبر) عام 1990 جرت عمليّة عسكريّة لبنانيّة سوريّة بغطاء دولي ضد مناطق نفوذ العماد عون، نجم عنها إطاحة الجنرال عون ونفيه إلى باريس، ومن ثمّ جرى توحيد الجيش، الذي كان قائده العماد إميل لحّود. وبعد انتهاء الحرب اللبنانيّة تمّ تطوير الجيش، فأنشئت أفواج التدخّل وعددها خمسة، كما أنشئ فوج مغاوير البحر والفوج المجوقل، وسريّة القتال الجبلي. وهي فرق زادت من عملانيّة الجيش ومن قوّة تحرّكه وسرعتها

اغتيال الحريري والاستقلال الثاني 

يعتبر منصور بو داغر أن الجيش كان <في العام 2005 على موعد مع استحقاق مصيري جديد عندما هز الكيان اللبناني اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) من هذا العام، وما نتج عنه من تحرّكات شعبيّة كبيرة في وجه الوجود السوري ونظامه الأمني في لبنان. حينذاك رفض الجيش مواجهة المواطنين المعتصمين والمتظاهرين أو قمعهم. وفي 26 نيسان (أبريل) من العام نفسه انسحب الجيش السوري من لبنان تحت وطأة ضغط شعبي ودولي كبير>. 

...
ومعارك نهر البارد 

وكانت المعارك التي خاضها الجيش ضد تنظيم <فتح الاسلام> الارهابي في مخيم نهر البارد صيف 2007 من المعارك التي أثبت فيها قوته وبطولته، وأثبت مدى تضحيات قيادته وضباطه وعناصره. وقد أدت المواجهات إلى القضاء على التنظيم الارهابي واستئصاله بالكامل من المخيّم. وقد سقط للجيش اللبناني وقتذاك 168 شهيداً
لقد أرخت التدخّلات والأطماع الخارجيّة كما الحروب والاضطرابات الأهليّة اللبنانيّة (التي كان آخرها في أيار عام 2008) بثقلها على الجيش اللبناني، إلا أنه نجح حتى الآن في المحافظة على كيانه ووحدة صفوفه في ظلّ تطلّع الشعب اللبناني نحو دور المؤسسة العسكرية وما تشكله من تكريس لمبدأ سيادة لبنان واستقلاله واعتبارها الملاذ الأخير لجميع اللبنانيين والمصدر الوحيد لأمنهم والضامن الأساس لوحدة الدولة وأبنائها

التعاون والتنسيق مع قوات الأمم المتحدة 

ويعتبر مصدر عسكري أن قيادة الجيش حرصت أشدّ الحرص على ترسيخ علاقات التعاون والتنسيق مع القوات الدولية، انطلاقاً من دور الأخيرة في مساعدة الجيش على بسط الاستقرار في المناطق الحدودية، وفي تعرية مخططات العدو أمام الرأي العام الدولي، وانتهاكاته المتواصلة للسيادة اللبنانية، برّاً وبحراً وجوّاً، وعدم التزامه الكامل مندرجات القرار 1701، لا سيّما استمرار احتلاله أراضٍ لبنانية، وعدم قيامه بتسليم جميع خرائط الألغام والقنابل العنقودية إلى الجانب اللبناني
ومن أبرز تفاصيل هذا التعاون
ـــ متابعة عملية إعادة تأشير الخط الأزرق بين لبنان وفلسطين المحتلة، من قبل لجنة مختصّة تابعة للجيش، بالتعاون مع فريق طوبوغرافي تابع لقوات الأمم المتحدة، حيث أنجزت التحقّق النهائي من إحداثيات 125 نقطة وتثبيت معالمها، كما أجرت القياسات اللازمة لنحو 50 نقطة تقع على الخط المذكور
ــ إجراء التدريبات والمناورات والرمايات المشتركة بهدف رفع مستوى التنسيق الميداني بين الجانبين، والتحقق من القدرة على مواجهة أي طارئ
ـــ معالجة الحوادث والمشاكل، سواء داخل المناطق الحدودية، أو بين الجيش والعدو الإسرائيلي
ـــ توفير بعض الاحتياجات اللوجستية للجيش، وتنسيق النشاطات الإنمائية والاجتماعية في المنطقة

وفي مجال الأمن 

يتابع الجيش تنفيذ مهمّاته الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية. وفي هذا الإطار أعادت قيادته التأكيد أنّ فرض الأمن هو حاجة وطنية شاملة، وأن الفوضى لن تكون في مصلحة أحد، ووجود الجيش في أي منطقة هو لحماية الاستقرار فيها وليس لمواجهة الأهالي أو الاشتباك معهم، كما أكدت أنّ الاختلاف السياسي في وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، هو جزء من الحياة الديموقراطية التي ينعم بها لبنان، لكنّه من غير المسموح أن يَستغلَّ أي كان هذا الواقع، للنيل من هيبة الدولة ومؤسساتها، والاعتداء على أرواح المواطنين وممتلكاتهم. فالأمن هو بمنزلة الخبز اليومي للمواطن، وفي غيابه لا نهوض للوطن اقتصادياً واجتماعياً وإنمائياً

سليمان: محطات مشرقة 

وفي كلمة سابقة له في ذكرى عيد الجيش قال الرئيس ميشال سليمان <عندما ننظر في نشأة جيشنا وتاريخه لا بدّ من أن نؤكد حقيقة دامغة تربط بينه وبين قيامة لبنان واستمراره وطناً مستقلاً، موحداً، جامعاً لأبنائه كافة. فمسيرة الجيش تحفل بالمحطات المشرقة التي تشهد على عمق إيمانه بلبنان وعلى التزامه حماية كيانه، والسهر على استقراره وأمنه. تبدأ المسيرة من أرض الجنوب، حيث انبرى جيش فتيّ للدفاع عن حدود الوطن، فكتب التاريخ العسكري يومئذ أحداث معركة المالكية، كشاهد على قدرة جنوده وتفانيهم. لقد استطاعت القوى العسكرية اللبنانية، منذ نشأتها، أن تكتسب ثقة المواطنين ومحبتهم ودعم السلطات الشرعية ومباركتها، وهو ما شكّل حتى اليوم رصيدكم الأكبر وأهم مصادر قوتكم. يستحق جيشنا أن يحظى باهتمامنا على مختلف المستويات، فنضع مخططاً تفصيلياً لتلبية احتياجاته الأساسية ومستلزمات تطويره، على أن ينفذ وفقاً لبرنامج زمني محدد، يتناسب وما يتوافر للدولة من موارد. فهكذا نحفظ للجيش معنويات أفراده، ونضمن العيش الكريم لهم ولعائلاتهم من جهة، ولعائلات شهداء الجيش الأبرار من جهة أخرى>. 

العماد قهوجي: الجيش خشبة الخلاص 

أما العماد جان قهوجي، وفي كلمة له في إحدى مناسبات عيد الجيش وإطلاق كتاب <تاريخ الجيش>، رأى أنه <صحيح أن عمر الجيش اللبناني الرسمي قصير، ويعتبر فتياً بالنسبة الى الكثير من جيوش العالم، لكن الجيوش لا تقاس بأعمارها، بل برسالتها ودورها وإنجازاتها. لذا، نتطلع بكل فخر واعتزاز الى ما حقّقه جيشنا الأبي، خلال مسيرته المفعمة بالبذل والتضحية والعطاء. فهذا الجيش لم يتوانَ لحظة عن القيام بواجبه الدفاعي والأمني، بدءاً من رفض الانتداب الأجنبي، مروراً بمواجهاته الطويلة مع العدو الإسرائيلي، الى التصدي للإرهاب وكل العابثين بأمن الوطن واستقراره، مقدّماً آلاف الشهداء والجرحى على مذبح السيادة والكرامة الوطنية، ومشكّلاً خشبة الخلاص في خضم رياح الفتن والمؤامرات، التي كادت تتهدد الوطن في وجوده ووحدته، وتضع أكثر من علامة استفهام حول مصيره
واعتبر قهوجي أن تاريخاً سطّره رجال الجيش بالدماء والتضحيات، لهو أقوى من أن تعبث به رياح التغيير والنسيان، وأن جيشاً مدركاً مسؤولياته وواجباته الوطنية، ويستمر في أداء رسالته بإيمان راسخ وإرادة صلبة، لهو جدير بحفظ إرث الأجيال وصون أمانة الشهداء. فلنتعظ من دروس الماضي، ونستلهم من صفحات تاريخنا المجيد، شعلة الإيمان بغد مشرق مزدهر
وبعد، فإن الجيش يبقى هو الحل، ويظل سلاحه الشرعي فوق أي سلاح، ولا خلاص لهذا الوطن إلا بجيش قادر يفرض سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية، فلا تبقى جزر ولا مربعات أمنية ولا سلاح ميليشياوي، بل دولة آمنة مستقرة في حمى الجيش والقوى الأمنية الشرعية.

 

صبحي منذر ياغي

(عن: مجلة الأفكار)


The content of this website is the property of Jabalna Magazine © and may not be reproduced in any form without explicit written permission by the publisher.

Recommended